1 يونيو 2010   فجراً

 

 تحركت بنا حافلة السجن بعد أن إكتمل عددنا والحافلة مغطاة بالكامل بشبك حديدي على نافذتين علوييتين طويلتين من اليمين و من اليسار و فوقهما صبغ أسود ..  رأيت في الجهة المقابلة من السيارة هناك 4 من زميلاتي معنا تبسمت لهن سريعا لكنني لم ألحق أن أرى إبتسامتهن لأن السجان الحنون صفع الباب الحديدي في وجهي بعنف .. فخفت لكن عندما إستوعبت أننا كلنا مع بعض إرتحت قليلاً .. و إنتبهت إحدى زميلاتي لملصق معلق خلف الباب السحب الحديدي لحافلة السجن العسكرية .. ملصق جديد على علم فلسطين و بالمنتصف مكتوب Free Palastine .. نعتقد أنه من أحد نشطاء السلام الذين كانوا معنا على متن السفينة لكن نظن أنهم أخذوا في هذه السيارة قبلنا .. موجة من الفرح و الحماس بدت على الوجوه و بعض الهمسات و الضحكات و هذه كلها على صغر حجمها كانت رحمات رحمات كبيرة ..

 

و  سارت بنا السيارة .. هي في الحقيقة كأنها سيارة نقل موتى من شدة برودتها .. الجو بارد قارص جداً داخلها فقط  بعد يوم كامل من الحر و العرق .. الجميع يرجف من البرد .. أشعر بعطش و جوع شديد جداً .. أحسست بسخونة تتسلل إلى جسدي فأغمضت عيني هرباً من المرض لأنني أحتاج لصحتي الآن أحتاجها بشدة .. آه فجأة سمعت ذلك البكاء .. فتحت عيني  أبحث في الوجوه وجدت الجميع يحدق بي .. شككت بالوضع و إذا بي أستوعب أنهم يحدقون بمن جنبي .. زوجة الشهيد .. صرخت من أعماق قلبي .. أرجوك يا رب لا .. لا تدعها تستوعب الآن .. يا رب إرحم حالها .. بكائها كان يكفي لتحطيمي من الداخل .. حاولت أن ألم شتات نفسي .. و تذكرت حياتي ..

 

تذكرت ذلك اليوم الذي أخذت به جدتي الحبيبة  إلى المستشفى لإجراء فحوصات عادية فأعطاها الطبيب حبة مسكن فغَضِبتُ لأننا ننتظر منذ أكثر من ساعتين و هو لم يكشف عليها حتى .. ففتحت يديها و أريته المكان الي يؤلمها .. خاف مني الطبيب لأنني كنت غاضبة جداً من الامبالاة فيه .. فطلب عمل أشعة .. بعد ظهور نتائج الأشعة .. طلب مني الحضور لمكتب الأطباء الرئيسي ثم جلسوا معي بهدوء ثلاثة من الأطباء و أبلغوني أنهم سيحولونها لمركز علاج السرطان .. كان ورماً .. يا رحمن رحمتك .. و كنت صغيرة حينها في بداية دراستي الجامعية و عاشقة لكل شيء في جدتي أخلاقها تواضعها ثقافتها صلاتها تربيتها و صبرها .. لم أعرف كيف أتصرف و لكنني أعرف أن جدتي ستلاحظ أي تغيير جديد سيطرأ عليّ .. و أعرف أيضاً أنّ جدتي تجيد الإنجليزية  فخِفتُ أن ترى ورقة التحويل بتفاصيلها و تعرف بالمرض .. ركبت السيارة و جلست جنبي .. كنت أتمنى أنني أستطيع أن أغوص في حضنها و أبكي .. لكن ملاذي الحنون على قربه مني أصبح مُحرمٌ عليّ الآن .. هنا تعلمت معناً جديداً للحرمان ..  يداي ترتجفان و أنا أقود السيارة .. أوصلتها لبيتها .. و لم أستطع أن أعود لبتنا و لم أستطع أن أبلغ أمي بشيء خوفاً عليها .. فإتصلت بخالي .. و أنا أنتظره جلست أفكر .. لِم أختارني الله أنا كي أكون من يواجه الموضوع لوحده .. ثم رددت تلك العبارة لأول مرة .. .. و لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .. فالله بحكمته  أراد أن أواجه أنا هذا الموقف و سأواجهه و  حتماً تربية ليهيئني الله لما هو أشدو أكبر  فيجب أن أنجح بالإختبار .. بعدها بفترة كانت وفاة أختي الصغيرة القريبة جدا إلى قلبي بحادث سيارة و دخول أمي للمستشفى و أبي أيضا و أي الصغير في العناية المركزة بكسر في الجمجمة .. إستغفر الله لكن بعد هذه الفاجعة ظننت أن الله لن يبتليني .. كنت هكذا أحدث نفسي أن الله يعلم أنني في وضع صعب فالآن لن تكون هنالك إبتالاءات قريبة إستغفر الله .. و بعدها بشهور ستة إنفجعت بوفاة إبن عمي و زوجته التي كانت زميلتي في الدراسة  أثناء  شهر العسل .. و بعدها بكم شهر كانت وفاة جدتي الحبيبة .. و في كل مرة أردد هذه العبارة .. الله بحكمته  أراد أن أواجه أنا هذا الموقف و سأواجهه و  حتماً تربية ليهيئني الله لما هو أشدو أكبر  فيجب أن أنجح بالإختبار ..

 

للمت شتات نفسي .. ثم إلتفت إلى زوجة الشهيد و ضَمَمتُها في حضني .. كانت تبكي بسكون رهيب .. خفت من بكائها لأنني لم أستطع فهم ملامحه .. لكن في النهاية بكاء و بكاء حزين جداً .. و المحزن أيضاً أنني لا أجيد التركية .. و هي لا تجيد غير التركية .. و لكن الله ألهمني بضع كلمات أرددها عليها بين الحين و الآخر ..

صبر .. جنة .. شهيد .. أجر .. رحمات ..

أخذت وقتها في البكاء بحضني و أنا أربت على كتفها تارة و أقبل رأسها تارة أخرى  .. لا أدري ماذا أفعل ؟! فغرقت في تفكيري و في ذكرياتي و سمعت همساً بجانبي أن الصهاينة أبلغوهم أنه سيكون حبس إنفرادي في غرفة مظلمة مع الفئران .. طبعاً الأخت التي كانت تتحدث قالت لهم .. أنا أحب الفئران منذ صغري و لديّ  ”هامستر” صغير أُربيه .. سبحان من ألهمها الجواب لتغيظ به قلوب بنو صهيون .. الكل في السيارة يتحدث بلغات عدة بين الأسباني و التركي  و العربي و الإنجليزي ماذا يتوقعون .. موجة من القلق و الترقب تسود الوجوه و بالطبع القلوب .. لكن الله شغل فكري بزوجة الشهيد .. كنت أبحث عن كلمات عربية من الدين تفهمها لأرددها عليها من باب التطمين و التهدئة  ..و لأنني كنت بكامل جسدي مقابة لزوجة الشهيد فلم يكن أمامي سوى النافذن أن أنظر لها .. كانت هنالك بقع صغيرة في النافذة بحجم حبات الحمص “لا تلوموني على التشبيه فكلما أتذكر الجوع ذلك اليوم لا يخطر ببالي غير الطعام” .. أسترق النظر من خلال تلك النقط الصغيرة بصعوبة بعد أن ألوي عنقي قليلاً .. أريد أن أشاهد فلسطين المحتلة على  الأقل .. لمحت  بعض العمارات و بعض إنارات الشوارع وشاهدت  سماءاً  سوداء و في بعض الأحيان كنت أستطيع مشاهدة إنعكاس إضاءات السيارات  .. كنت أتمنى لو أنهم تركوا لنا مجال على الأقل أن نشاهد الشوارع البيوت الناس .. نشاهد المغتصبين لأرضنا و لإنسانية الإنسان .. حتى نهديهم تلك النظرات العميقة .. نظرات الإحتقار برومانسية تتناسب مع رومانسية إغتصابهم لأرضنا كما يرونها هم ..  لكن لا أمل للأسف حتى عيوننا مسجونة بتهمة الإنسانية الزائدة عن الحد .. 

طريقة جلوسي  مُتعبة جداً  فبين الحين و الآخر تنزلق أجسادنا  من الكراسي التي على ما أظن كانت معدنية ..  فأثبت رجلي بالأرض بقوة كي أتماسك و أمسك أيضا معي زوجة الشهيد برفق حتى لا تحس أنها ثقيلة عليّ .. سائق سيارة السجن كان أرعناً جدا في طريقة قيادته .. لا يقف عند المطبات فنقفز كلنا من أماكننا .. يحني السيارة بقوة فيسقط بعضنا .. و أظنه كان متعمداً .. بل متيقنه لأن هذا من أدب الضيافة الصهيونية ..

 

نقاش بين الجموع على موضوع حساس .. هل نوقع ورقة التسفير .. هذه الورقة تعطيهم الحق بأن يمنعونا من دخول فلسطين المحتلة لمدة 10 سنوات .. و تلزمهم بأن يخرجونا منها خلال 72 ساعة .. القيادة التركية كانت صارمة تجاه الموضوع بأنه هنالك حل من إثنين .. إما الجميع يوقع .. أو الجميع لا يوقع .. و الوضع الآن أن الجميع لا يوقع حتى نستطيع التواصل مع “النمر” و يعطينا الإذن .. بعض الجنسيات كان لديها تحفظ أن لنوقع خصوا أننا لا نعلم ما يحدث في العالم الخارجي قد يكون لصالحنا أو الأغلب أنه ضدنا .. الأوضاع معتمة و لا مجال لنور البصر أن يرى الآن .. لكن نور البصيرة يقول يد الله مع الجماعة .. فالجميع لن يوقع كما إتفقنا ..

هدئت زوجة الشهيد و رفعت رأيها الحزين ثم نظرت في عيني مباشرة و إبتسمت إبتسامة ذابلة .. أحرجتني إبتسامتها .. أحرجت قلبي و أحرجت إنسانيتي و أحرجت على وجه الخصوص إيماني .. إلتفت إلى أحدى التركيات خلفي و كلمتها بالتركية و كأنني لمحت لفظ إسمي بين كلامها .. إلتفت علي التركية الأخرى و قالت لي بإنجليزية ركيكة .. هي تقول لك هي ليست حزينة لأن زوجها شهيد وأيضا هي لا تبكي لأن زوجها شهيد .. نظرت إليّ زوجة الشهيد و إبتسمت .. ألجمتني بكلامها لكن إبتسامتها هذه المرة مع أنها الإبتسامة الذابلة  ذاتها منذ قليل لكن معناها أذهلني  .. يا الله بعد هذا كله ما شاء الله لا زالت بذات التسليم لله .. الله يحميها و يثبتها .. .. يا كريم يا رحيم يا قدير .. لا زلت تربيني يا رب .. بأكبر مما أتصور .. لا زالت تلك الشخصيات الفذة تحاوطني بها رب .. لتعلمني أن الحياة التي وهبتَني إياها  في وطني و أن الترف الذي أعيشه و أن الأيام التي تنساب كالموج الهاديء في حياتي .. ليست هي معنى حياتي .. ليست هي العمق الذي أريده في حياتي .. و أن أموال قارون كلها لم و لن تستطع أن تنتزع الإبتسامة من أعماقي كما هي ترتسم عليّ الآن .. إبتسامة النصر الصافي و أنا في طريقي لأول ليلة سجن ..

1 يونيو 2010 فجراً

أمامي كان ذلك الشاب الصهيوني الغير اللطيف و أمامه جهاز الكمبيوتر و على اليمين تجلس تلك الشابة الغير لطيفة الصهيونية بالطبع التي تضبط كاميرا صغيرة من نوع كانون زهرية اللون على الستاند  .. و جيء بي لهم .. بجوازي الأزرق الكويتي .. و بوجهي الذي إنعدمت ملامحه .. و بقلبي الذي ينبض بلا إله إلا الله .. تلفت يمينا و يسارا .. برفين كانت أمامي و على يميني زوجة الشهيد و أمامي أحد الشباب الأتراك .. طاولات مرصوصة مع مسافة مترين تقريبا بين الواحدة  و الأخرى و أرى سندس من بعيد و نيكي البريطانية كانت على يساري .. حقيقي عندما طُلب مني الجلوس على كرسي بلاستيكي أمامهم سلمت أمري لله .. لأننا دخلنا بالجد .. رفعت رأسي بثقة وجرأة و جلست برجل فوق الأخرى و حملقت بهم .. أخذ الجندي الصهيوني الأشقر الغير لطيف يقلب في جوازي .. أقسم بالله أنه في حالة ذهول .. لأنني خليجية و من الكويت فالظاهر الموضوع عمل له صدمة عاطفية .. قلب جوازي بين يديه فترة كحرب أعصاب .. لكن لسوء حظه فكل أنواع الأعصاب داخل جسدي إنقطعت و إنعدم الإحساس .. فحملقت بملامحهم أكثر و ثم مللت من وجوههم فتأملت بما يوجد على الطاولة لعلي أجد فيها قبس .. لكنني لم أجد سوى نارا تخرج من فمه عندما بدء بتوجيه طلقاته الكلامية الفارغة إلي ..

المحقق : هل تتحدثين الإنجليزية ؟

هياء : نعم

المحقق : ما شعورك و أنت في إسرائيل ؟

هياء : لا يوجد في قاموسي هذا المصطلح .. ما أعرفه هو فلسطين و فلسطين المحتلة ..

المحقق : هل أنت سعيدة لأنك بإسرائيل ؟

هياء : كيف أكون سعيدة و أنا لم أنوي المجيء إلى هنا بالأصل ..

المحقق : لكنك لم تري إسرائيل بعد ..

هياء : و لا أريد أن أراها .. أريد أن أرى غزة فقط ..

المحقق : هل تعلمين أنك مجرمة أمام القانون العسكري الإسرائيلي

هياء : و لم ؟

المحقق : لأنك تعرضتي لسيادة دولتنا

هياء: و هل تعلم أننا أختطفنا من المياه الدولية و لم نقترب من حدودكم  و لم ننوي الإقتراب!!

المحقق : كنتم قريبيين جدا

هياء : كنا على بعد 130 ميلا من مياهكم الإقليمية و أنتم تعديتوا المياه الدولية بما يناقض القوانين الدولية التي لا تسمح لكم سوى بتعدي مياهكم الإقليميد ب 20 ميل في حالة الحرب .. و للعلم لم نكن في حالة حرب

المحقق : الحقائق كانت مشوهة أمامكم ..

هياء : الحقائق كانت واضحة أمامنا .. لأن على متن سفيننا أكثر من 19 مؤسسة إعلامية و صحفية عالمية من فنزويلا مرورا بأوروبا و العالم العربي إلى الهند و ماليزيا و أستراليا كانت ترصد الحدث ثانية بثانية  .. و هناك أجهزة رصد عالمية ستثبت للعالم موقع الإعتداء ..

المحقق : من أين أنت ؟

هياء : “بإستغراب” أليس هذا جوازي بيدك ؟؟

المحقق : من أين أنت ؟

هياء : من كل العالم

المحقق : و ماذا يعني هذا ؟

هياء : “ببرود” قصة طويلة و ليس لي مزاج بأن أرويها الآن 

المحقق : “بإسلوب حقير “ أنت مجرمة في القانون الإسرائيلي  و ستعرضين للمحاكمة

هياء : أريد محامي >> هيئة الإغاثة التركية كانت موفرة لنا مكتب محاماة للدفاع عنا و لحفظ حقوقنا في حال أختطفونا لكن الصدمة بالنسبة لنا كانت أنهم إستخدموا العنف معنا بل أشد من ذلك القتل .. و هو ما لم يخطر على بال أحد مننا لأننا نعي أنهم سيخسرون كثيرا في حال أنهم إستجرؤا ..  و هذاا الذي حصل لاحقاً .. فشكراً لعنجهيتهم و شكراً لغبائهم

المحقق : لا يوجد محامي

هياء : لدي محامي ينتظرني بالخارج .. و من حقي أن لا أرد عليك حتى أراه

و طالت الحوارات القانونية بيني و بينه و أخذت لي زميلته في الإجرام  صورة شخصية لي .. ثم طلب مني التوقيع على ورقة بياناتي التي عباها هو فرفضت .. و فجأة جاء رجل مسن  يبلغ من العمر تقريبا 65 عاماً و سحب كرسياً و جلس على يميني و هو يقابلني بوجهه ..

الرجل : مرحبا

هياء “بإستغراب” : مرحبا

الرجل حاول تقريب كرسيه لي فلمحت الطاقية الصهيونية على رأسه مما رفع لدي حس العداء

الرجل : بتحكي عربي منيح .. من وين تعلمتي ؟

هياء : إنت إللي بتحكي عربي منيح .. من فين تعلمت ؟

الرجل  : المهم أنا جاي هون من شان أساعدك

هياء : و أنا ما طلبت مساعدة .. إنجليزيتي ممتازة و متفاهمة معاهم

الرجل : أنا صديقك

هياء : أنا ما عندي أصدقاء بهذا البلد

الرجل سألني بعدها ثلاثة أسأله و أنا متجمدة في مكاني و أمثل إني سرحانه و لا أسمعه .. فصرخ فيني

الرجل : شو ما بتسمعيني ؟

هياء : “لم أود أن أكذب عليه ” ليه إنت قلت شيء ؟

الرجل : كنت بسألك ما سمعتيني ؟

هياء : شو سألت ؟

الرجل : الواضح إنك تريديني أختم على جوازك … بختم إسرائيللي >> طبعا أبناء الإجرام يعلمون أن هذا سيسبب لي مشاكل عويصة في حال عودتي لوطني لكنهم لم يعلموا أننا مستوفيين كل إجرائاتنا القانونية لحمايتنا داخل الكويت في حال عودتنا

هياء : إللي يريحك

الرجل : شو يعني ؟>> أعتقد أنه لم يفهم لهجتي الكويتية فعدت للهجة شامية مكسرة أحدثه بها

هياء : عادي .. تريد أن تختم إختم مو فارق معاي

الرجل : يعني بدك إياني أختم

هياء : “بعصبية و في داخل قلبي أقول الحمدلله” قلت لك مو فارق معاي

الرجل : ليش  إنتي معصبة هيك

هياء : لأني تعبانة

الرجل : و ليش تعبانة ؟

هياء : أبدا ما في شيء يتعب .. مختطفة و محتجزة 21 ساعة في سفينة من غير أكل و لا ماء و أربعة شهداء أمام عيني بدمائهم طوال الوقت و فوق الخمسين جريح بآلامهم و في النهاية جالسة هون معكم ..

الرجل : يعني أنتي تعبانة

هياء : جداً

الرجل : راح أخليكي ترتاحين  الليلة هاي  في السجن >>هنا كانت أول مرة أسمع أنني سأسجن  فإستغربت لأن هذذا لم يكن ضمن وعودهم الكذابة التي تقول أننا سنخرج إلى المطار أو الحدود مباشرة و لكن سجن !!

هياء : أوكي >> كأنه سيأخذ برأي لو قلت له مو أوكي

الرجل : “بهدوء حقير “ و بكرا من الصباح راح أحقق معك تحقيق تفصيلي بما أنك ستكونين إرتحتي

هياء : أوكي .. ((لا شعوريا ببرود  قلت هذه العبارة التي أغاظته أظنه كان يريد أن يصفعني حينها )) غدا لا يوجد لدي شيء أنا فاضية من الصباح

غضب الرجل و إلتفت إللي المحققين الأساسيين أمامي و أشار إلي أن قومي من مكانك و إلتفت للمحقيين يحدثهم .. و عادتا الإبليستان عن يميني و عن يساري لمسك يدي بعنف لإرغامي على الإنصياع لهم و سحبي إلى مكان آخر مجهول لا أعلم ما هو .. لكن حتماً هو طريقي إلى السجن .. و أنا أسير لمحت رجل صهيوني يمسك بيد زوجته و يمثلان الحنية و ينحنون ليجلسوا بجانب زوجة الشهيد و هم يكلموها و بما أني لي خبرة بالمسرح فوجدت نفسي أمام مسرحية ركيكة ثقيلة الظل  .. بدؤو يحدثونها يا الله هؤلاء يجيدون التركية .. غرقت في تفكيري يا لا الحقارة حتى الشعب معاهم في الظلم ذالك الرجل الستيني الذي هو في سن جدي و هو مجند للتحقيق معي الساعة الآن ما يقارب الثانية و النصف صباحاً لمَ؟؟ و هؤلاء الأزواج ؟ إلتفت في كل مكان فإذا بهؤلاء المترجمين الممثليين يحومون حول طاولات التحقيق لغوايتنا بالكلام أوللضغط علينا أو  لتخويفنا .. كم يدفعون لهم يا ترى ؟؟ لأنني أراهم متحمسيين و هم يؤدون أدوارهم .. كالذباب الي يبحث عن القذارة كي يسعد .. هم كذلك ..

أحس بقرف شديد .. حر و مكان قذر و وجوه مقفرة و رشاشات كل مكان و إبليستان يضغطان على يدي و ملابي متسخة و إلى الآن لم أصلي المغرب و العشاء و لا أعلم إلى أين أؤخذ .. سحبوني إلى طابور طويل جدا .. إلتفت إلى يميني فوجدت مريم و بيدها مصحف تقرأ به و هم يحركونها .. ثم علمت أنها حتى بالتحقيق كان يسألها و هي لا تجيبه لأنها كانت تقرأ القرآن مع العلم إن مريم لغتها الأم الإنجليزية و عربيتها ضعيفة نوعا ما .. أجلسوني على كرسي .. جاءت بجانبي الأم الفاضلة شذا من سوريا .. و على كتفها كوفية فلسطينة و بها دماء .. فيسألتها ما هذا ؟ فقالت لي أنها غمست الكوفية بدم الشهداء قبل أن تخرج من السفينة ثم إرتدتها .. أحسست بغيرة شديدة لِم لَم أفعل ذلك أنا  أيضاً   :.(    ..  جاءت برفين جنبي و جلست تحدثني كيف أنها دخلت التحقيق باللولي بوب و أنها عندموا طلبوا منها تعبئة بياناتها وضعت إسم مستعار لها ثم طلبوا منها تعبئة إسم أبيها فكتبت    DAD    قال لها الصهيوني .. أين إسم أبيك فردت عليه بعنجهية    My Dads name is DAD

موقف حصل لا بد لي من ذكره و إن لم أكن ممن شهده .. أحد الشباب الجزائريين المميزين عز الدين .. دخل وقت صلاة الفجر و كانوا لازالوا في التحقيق .. فصف في الصلاة و ورائه بعض الأخوة و الأخوات  و صلى المغرب و العشاء و الفجر أيضا .. و هو يصلي بصوته الجهوري العذب الخاشع .. جاء جندي صهيوني و بصق في وجهه .. عز الدين لم يتوقف لكنه أكمل صلاته .. فقفز صهيوني آخر من مكانه و صرخ عليه أن لا شأن لك به و لماذا تبصق عليه و هم لم يتعرض لك ؟  و بدء العراك مع ذلك الصهيوني الذي بصق على عز الدين .. و عز الدين بثبيت من الله  لا زال خاشعا في صلاته .. و تدخل بقية الصهاينة لإيقاف العراك .. عندما سمعت هذه القصة عشت الآية  {إن الله يدافع عن اللذين آمنوا }

الصراحة لا أتذكر لم كنا مصطفين بهذا الطابور لكن كانت هذه آخر خطوة فبل أن يخرجونا من المكان الذي كنا فيه .. أخروجونا واخد واخد .. و وصلت لباص عسكري مغطى بالكامل كان على يميني .. ثم عديناه لسيارة حجز عسكرية .. أدخلوني لوحدي من باب في منتصف السيارة .. دخلت وجدت صهيوني مسلح أمامي و بابين معدنيين على اليمين و على اليسار .. فتح لي الباب الذي على اليسار و صوته مخيف و مزعج ثم أدخلني .. دخلت فحمدت الله أن المكان يتسع ل 20 شخصاً .. و كله نساء و الحمدلله الأغلب أعرفه جيدا .. منهم جايي التركية ذات الشعر الأحمر و الإرادة الفولاذية الداعية سنان و الأم الحنون نجوى و صديقة الصراع برفين ..  فجلست في أول كرسي على اليمين .. بعد زمن دخلت زوجة الشهيد  و جلست جنبي  .. تنفست الصعداء برؤيتها و إرتحت .. و أغلقت عيني .. هدوء شديد لا أسمع سوى صوت النفس و هذا الباب الحديدي داخل السيارة العسكرية المظلمة يفتح تارة من جهتنا و التارة الأخرى من الجهة الأخرى .. هدوء شديد  و برد أشد  .. ثم سمعت صوتا لن أنساه أبدا ً .. بكاءاً .. لا زال يرن بإذني .. حتى الآن ..

ملاحظة : أحاول التذكر على قدر ما أستطيع فسامحوني إن قصرت أو أخطأت أو لم أنقل معلومة مضبوطة لا سمح الله .

  على جسر حديدي أبيض .. يهتز .. أشار لي جندي صهيوني بعبوره .. خرجت من باب السفينة الفولاذي ..  كنت قبل الأخيرة .. فلم أجد ما أهدي الصهيوني سوى ذلك الشيء المميز جداً الذي كنت أظن أني لن أستخدمه يوماً ما .. نظرة إحتقار .. قد تظنون أنها لن تهز فيه شعرة .. لكنني أفضل أن أبقيها في ذاكرته لأنه حتما سيتذكرها يوما ما .. سيتذكر أن حتى عيوننا أبت أن ترضخ ..

عندما وصلت إلى نهاية الجسر و الذي لم يتعدى طوله المتران رفعت رأسي لأراها لأول مرة فلسطين المحتلة.. لكنني وجدتها مشوهة بهؤلاء .. تأملت تلك الخيمة البيضاء الكبيرة أمامي كانت عملاقة جداً .. شعور رائع أن تستوعب كم كلفتهم من خسائر و أنت ذلك الفرد الضعيف .. مع مجموعة أخرى من الضعفاء المؤمنين بحق الإنسان و الأرض .. إستطعنا أن نخربش حياة كل هؤلاء الصهاينة .. لأول مرة أرى وجوههم فكل الجنود اللذين كانوا معنا على السفينة كانت وجوههم مغطاة بأقنعة .. كم كبير من جميع أنواع الجند بكافة أعمارهم و ألوانهم و ملامحهم .. على اليمين أحد الجنود يمسك كاميرا فيديو يصورنا بها .. نظرت إلى الوسط و إذا بعدد ما يقارب ال تسعة فتيات من الصهاينة لا يتعدون التاسعة عشر من العمر .. ثم إرتد بصري لليمين مرة أخرى  لكي أستوعب أنه لا توجد صحافة .. هذا رجل بكامل لبسه العسكري يحمل بيده كاميرا فيديو .. توقعت كل قنوات الصحافة تكون هنا حولنا لتغطي هذا الحدث .. لكن هيهات المجرم لا بد من أن يخفي جريمته .. آه إستوعبت .. نحن مخبئيين .. بدء عقلي يحلل بسرعة .. هناك حتما شيئا يحاولون إخفاءه .. و أنا مندمجة في تفكيري تنبهت أن إلي يدين من اليمين و اليسار يضغطان على أعلى يدي  بقوة و يكلمونني بإنجليزية ركيكة و ثقيلة أن تحركي معنا .. طبعا كانوا مجندتان من الجيش الصهيوني  .. كل مشاعر الطفولة رجعت لي  في هذه اللحظة و أنا ألمح من بعيد اللولي بوب “حلاو مصاص” في فم صديقتي البريطانية .. و أحس بضغط يديهم على يدي .. فتجمدت في مكاني .. و صرت ألعب لعبة العناد .. عندما أحس أنهم يريدونني أن أتقدم أخطو قبل أن يبدؤا هم بخطوتهم فأسبقهم .. و إن حاولوا أن يخطوا قبلي أعند في مكاني بشدة فيستخدمون القوة معي لتحريكي و أنا متجمدة في مكاني .. ثم أخطوا فجأة .. في حينها لم أكن أعي لم أفعل هذا كان شيئا لا شعوريا جسدي يفعله  .. لاحقا إستوعبت أن حتى جسدي لا يريد لهم أن يحسوا و لو لثواني أنه إنصاع لهم .. حتى و أنا في أرضي المحتلة بين يديهم .. يرفض الإستسلام .. يرفض السلام .. إلا بعد عودة الحق لأصحابه ..

وصلت للخيمة هي مفتوحة من الأمام كم هم مستعدون لإستقابلنا مئات الجنود بل آلاف .. ألقيت نظرة من الخلف على سفينتنا “مافي مرمرة” و لمحت بعض الشباب ينتظرون دورهم للخروج من السفينة ..  دخلت من خلال باب التفتيش الإلكتروني .. صفر صوت الإنذار .. لا أعلم لما إبتسمت لكنني أحسست أن  يالا الهول إكتشفوا أنني إرهابية .. فتشوني فوجدوا معي ذاكرة الكاميرا .. طبعا هذا قمة الإرهاب في قاموسهم .. سألتني تلك المفتشة أن هل معكي شي آخر .. نظرت لها بملامح جامدة أن لا .. سألتني مرة أخرى هل أنت متأكدة .. قلت لها أعيدي تفتيشي .. إمتعضت و أشارت للفتيات المجندات أن خذوها و سلمتهم ظرف شفاف به جوازي .. في هذه اللحظة سبقتهم بالخروج من المكان .. فغضبوا مني و سحبوني بقوة للوراء لكنني جمدت موقع قدمي و ملامح وجهي .. فبدؤا يحدثونني بالعبري .. أكيد لم تكن تلك كلمات ترحيبة أو شعر غزل .. لكنني إستوعبت من طريقة حديثهم أنه ترحيب بضيف غير مرغوب به .. و هذا أعطاني إحساساً بمتعة جميلة .. أن أكون غير مرغوب فيه عند مضيف غير مرغوب فيه أصلاً..


الساعة الثانية عشر و النصف فجرا وصلت لمكان على اليسار عبارة عن غرف مغلقة من أطرافها الثلاثة بألمنيوم و الطرف الأخير بستارة بلاستيك بيضاء كان هنالك أمامي أكثر من  ٨ غرف و خلفها سطر آخر أو سطرين من الترتيب ذاته ..أمام كل غرفة طبيب جالس .. بدء بفحص الضغط  فطلب مني الكشف عن يدي .. رفضت فقال لي لا يوجد طبيبة متوفرة الآن قلت له لا مانع لدي من أجلس حتى الصباح حتى تشرفنا الطبيبة لكن لن أكشف عن يدي أمامك .. طبعا إمتعض و سبحان الله  خلال ثلاثة دقائق نزلت الدكتورة من السماء و كانت  معي في داخل الغرفة تفحص ضغط دمي .. يا الله هؤلاء الصهاينة يتعـبـدون بالكذب .. خرجت من الغرفة بعدما إنتهيت و  جلست أعطاني ورقة بالعبري بها قرابة العشرة أسألة و فهمني أنها أسألة صحية .. بدء يسألني و أجاوب .. الجميل أن إثنان من الأسئلة كانت إجابتي عليهم بالإيجاب .. سلمني الورقة كي أوقعها .. وجدت كل الأسئلة مجاب عليها بالنفي .. قلت له أن هذا غير صحيح .. فطلب من التوقيع عليها رفضت لأنني لم أفهمها .. كلمني بطريقة وحشية أن وقعي عليها .. خفت .. خصوصاً عندما تذكرت أن هذا الشخص هو ليس بطبيب عادي هو طبيب عسكري .. أي من الجيش .. فشيء طبيعي أنه يكذب .. تذكرت أن الشعب الصهيوني كله جيش نساءا و رجالاً و صغاراً و كباراً لذلك فكلهم مشتركون في إحتلال أرضنا و إغتصاب نسائنا و قتل أطفالنا .. للأسف وقعت على الورقة .. ثم تحسفت :(

ذهبت إلى الجهة اليمين أدخلوني غرفة تطابق غرفة الطبيب .. لكنها غرفة تفتيش دخلوا معي المجندات و كان هنالك غيرهم إثنتان لتفتيشي .. كان تفتيش دقيق ذكرني بتفتيش مطارات أمريكا .. أخذوا حذائي لتفتيشه في الجهاز .. إستغرقت العملية حوالي الربع ساعة .. أخرجوني بعدها وقفت بالطابور أنتظر شيئا ما مرحلة جديدة لا أعلم ما هي ..

لكنني أعلم يقينا أن عائلتي تعاني الأمرين الآن .. الأمر الأول هو القلق علي و على مصيري .. و الأمر الثاني هو الإشاعات و كلام المتفلسفون من الناس .. أتذكر في رحلة غزة الأولى في يناير ٢٠١٠ إتتهى شحن البطارية في موبايلي لما يقارب ال ٤ ساعات و إطلقت إشاعة أنني إستشهدت و إحترقت عائلتي بنار كلام الناس و إتصالاتهم و كتبوا على الفيس بوك الخاص بي .. و بعد ساعات إتصلت بهم و أنا لا أعلم ما الذي حصل .. فإذا بهم في حال لا يعلمه سوى الله ..

و أتذكر أيضا أن إحدى الفاضلات الفاضيات قالت لأمي لقد أضعت مستقبل إبنتك بما سمحت لها بفعله .. فردت عليها الوالدة حفظها الله أن إن كان مستقبل إبنتي بيدك فهي لا تريده شكرا لك .. و إن كان بيد الله فسيكرمها الله بمستقبل هي تريده .. لله درك من أم ..

 

و أتذكر أخرى كانت تحدث الوالدة عن خطورة ما أعانيه و تسألها عن الحمامات و مدى توافرها .. فكان رد الوالدة : لم أفكر بما فكرت به لأني مشغولة بالتفكير بما سارت إبنتي لأجله .. للمرضى للجرحى لليتامى للخائفين للمحرومين .. و لا تخافي فحالها أفضل بملايين المرات من حال معاناة فتيات غزة >>  سبحان الله الناس تحترق في بيوتها و غيرهم قلق عليّ كفتاة من إستخدام حمام غير نظيف في طريقي أثناء القافلة البرية لغزة

الجو حااار جدا و جسدي مرهق نوعاًَ ما و في هذا الوقت و أنا أفكر بعائلتي و أنتظر المرحلة القادمة و إذا بسندس خلفي مع إبليستان جديدتان ..  تسألني أن كيف حالك ؟ فقلت لها بخير و إبتسمت لي بقوة  فإبتسمت لها .. فصرخت بنا بتلك الصهيونية أن لا تتحدثوا مع بعض .. إبتسمت بوجهها و إلتفت لسندس و قلت لها : غير مسموح لنا الكلام .. فقط كي أغيظ الصهيونية .. فأمسكوني يقوة إبليستا الموت عن يميني و عن يساري و دفعوني للأمام .. نحو ذلك المجهول .. الذي تبينت من ملامحه فقط طاولة عليها جهاز كمبيوتر و كاميرا مثبته و صهاينة كالنمل في كل مكان .. بحثت عن ماء و مشروبات كما قالوا لنا “الصهاينة الكووول”  في السفينة لكن لم أرى غير كذبهم يحاوطني .. أبغضهم في الله .. أبغضهم في الإنسانية .. أبغضهم لسوء أخلاقهم أكثر و أكثر ..

و هنا كما أظن ستكون حلبة المصارعة .. لكنها بلا قوى متكافئة .. و بلا حكم ..

كانت الساعة حوالي الرابعة و النصف .. أي أننا أكملنا 12 ساعة بالسفينة .. و الغريب أن ميناء أسدود من البقعة التي كنا فيها لا يستغرق أكثر من 5 ساعات .. لكننا لا زلنا في عرض البحر و لا نرى أرض .. في مقصورتنا عند الباب كان الصهاينة متجمعين ما يقارب ال 7 منهم عند كل مدخل و كان هنالك 3 مداخل .. و أعداد إضافية بدأت بالإنتشار حولنا مع أسلحتهم .. أغلقوا المكيفات .. بدؤوا بتكسير كاميرات المراقبة الداخلية أمامنا .. معهم كلابهم .. و كلهم وجوهم مغطاة بقماش أسود و المرتبات العليا منهم يكون غطاء وجههم لونه جيشي .. الرجال لا زالوا مكبلين .. لا نعلم ما حال الجرحى لأنهم محتجزون في مقصورة أخرى .. و فينا قلق على الجرحآ الذين أخذوهم بالطائرات الحربية  .. لا زلنا لا نعلم أعداد الشهداء لكن ما نراه الآن هو أربعة منهم على الأرض بدمائهم و غطيناهم بعلم فلسطيني و علم تركي ..

لم أكن حزينة .. و لم أكن غاضبة .. و لم أكن خائفة .. سلمت أمري لله و قد سلّم الشهداء أرواحهم قبل ذلك .. و يكفيني أن ألقي نظرة على وجه زوجة الشهيد ليستسقي قلبي الصبر أو أن أتأمل أجساد الشهداء ليصب الإيمان على جسدا صباً .. كنت مستغربة من ذاتي .. أن أعرف حقيقة نفسي .. إحساسي يتبعثر و دموعي تتناثر عندما أرى الظلم أو الدم أو الألم .. لكنني في حينها تنفست معناً جديداً .. كيف أخشى الذل و أنا عبدالعزيز ..

راحة شديدة تلفني .. و جوع بدء يفتك بي .. تلفت حولي لأجد في مكان ما تحت رجلي ألواح من الشوكولاته .. مددت يدي و أخذتها .. و إذا برشاش صهيوني يتوجه لرؤسي و يصرخ فيني حامله أن لا تتحركي .. رفعت الشوكولاته إلى أعلى مدى و حدقت به بإستنكار قائلة له

its only chocolate .. chocolaaaaaaaaate

أعطيت الرشاش و حامله ظهري و قمت بحركة سريعة بفتح الشوكولاته و أكلها حتى لا يحس أنني خفت أو ترددت .. ظل فوق رأسي حاملا رشاشه .. و أنا أستمتع في كل نقطة من الشوكولاته و ألحس ما تبقى فيه لإغاظته .. و سعيدة في داخلي لأنه إضطر للوقوف في وضع متعب حتى أنتهي من التلذذ بالشوكولاتايه .. عندما أحسست بضعفه .. تجرأت و ووزعت ألواح الشوكولاته على من حولي ..  تضايقت لأنه لن يكفينا .. فأحست بارفين البريطانية بهذا و وقفت للصهيوني تخبره أننا نحتاج أن نأكل و أنها تعرف مكان الأكل أين و هو الثلاجة على بعد أمتار منا .. طبعا رفض الصهيوني .. و ظلت تجادله و هم يرفض .. إلى أن نظرة بقوة إليه و صرخت تريدنا أن نموت من الجوع .. هنا سكت و سمح لها بجلب الطعام .. طبعا هو ليس خائفا علينا من الموت و لكنهم كلهم فيهم ضعف شديد يخبئونه تحت أسلحتهم أومن وراء جدر ..  وببساطة  يخافون عندما تنظر إليهم بنظرة التحدي .. و عندما جلبنا نحن طعامنا .. بدؤا يصوروننا بالفيديو ثم علمنا لاحقا أنهم عرضوه في التلفاز ضمن الخدمات اللتي قدمت لنا .. ما عسانا نقول غير أنهم صهاينة ..

مع أني في حياتي حساسة جدا تجاه الأدب و الخلق و الألفاظ .. لكنني بدأت أحس بلذة الوقاحة معهم فقط .. فبدأت أطبقها لأول مرة في حياتي .. و لأنني أريد أن أنام و لا زال الجندي الصهيوني ذاته يقف فوق رأسي أنا بالذات .. فوضعت رأسي بحضن رفيقتي و مددت رجلي للأعلى كي يكون حذائي بالضبط في وجهه و أغلقت عيني و في قلبي رهبة .. كنت أحاول أن أبين لهم أن وجودكم و رشاشتكم لا تعنيني و لا تعني لي شيئاً .. قلبي ينبض بشدة .. أعلم الآن أنه سيضرب قدمي برشاشه و يصرخ في .. تعمدت أن لا أفتح عيني أبداً .. إنتظرت لدقائق معدودوة .. ثم فتحت عيني على يد تهز كتفي .. فإذا بها رفيقتي .. الغريب أنه لم يتحرك من مكانه أبدا .. و الأغرب أنني نمت لمدة ساعة و نصف متتالية في هذا الوضع .. نمت بعمق ..

طبعا إستيقظت و أنا مشحونة بطاقة جديدة .. جلست بجانب “نيكي” الأووربية و نحن جالسون أبلغتني أنه وجدت جوالها و أن الإرسال بدأ يلتقط الشبكة الصهيونية و هذا يعني أننا إقتربنا .. لكننا لا زلنا لا نرى الساحل .. بدأ الخبر ينتشر بيننا .. كانت الساعة قرابة السابعة مساءاً .. بدأ المغرب يقترب .. و بدأ الساحل يظهر .. و السفينة تسيل بشكل موازي للساحل .. ثم إنتبهت أننا نسير على نقطة في  الساحل ثم نعود من حيث أتينا و هكذا .. هنا إستوعبت أنهم مترددين و لديهم مشكلة في وصولنا للساحل .. مما أعطاني شعور بالقوة أكثر .. و أكثر و أكثر ..

عندما أسدل الليل ستاره و أصبحت المنطقة مظلمة بالتمام .. وقفنا في ميناء أسدود الذي كنا نحوم حوله منذ وقت طويل .. وقفنا فيه .. جو من الترقب في نفوسنا و جو من الضوضاء يسود المكان .. ماذا الآن !!!  الجنود الصهاينة يخرجون و يدخلون بطريقة مزعجة و معهم كاميرتهم الذي يصور بها إحدى الجنود طبعا .. و بهدوء  دخل المقصورة  شباب صهاينة يرتدون التيشيرت الكحلي السبورة “بولو شيرت” و قبعات السفاري البيج .. كلموا حنين الزعبي فطلبت هي منا أن نهدىء لأنهم يريدون أن يحدثونا ..  كان  بيدهم شنط سوداء فتحوا إحداها .. و إذا به ميكرفون المخروطي مثل الذي يستخدم في الأندية الرياضية .. عندما رأيتهم أحسست أننا سنذهب في رحلة سفاري مثيرة و ممتعة .. لإكتشاف غابة جديدة .. إسمها >> إسرائيل

بكل براءة مسك ذلك الشاب الأشقر الصهيوني الميكروفون و بدأ يحدثنا بإنجليزية ثقيلة موضحا لنا الآتي ..

مهمة الجيش الصهيوني قد إنتها و أنتم الآن بأمان .. نحن وزارة الداخلية الصهيونية .. كل ما نريده منكم هو تجاوبكم معنا لأنكم ستنزلون الآن من السفينة و هناك خيمة مجهزة لكم لشرب بعض المشروبات و لعمل فحص طبي للتأكد من سلامتكم .. جرحاكم بخير و هم يتعالجون الآن  .. ثم ننقلكم بسرعة للمطار أو للحدود لتغادروا لدولكم .. الآن لا تأخذوا معكم شيئا سوى الجوازات و أموالكم النقدية و سنجلب لكم شنطكم و حاجياتكم لاحقاً ..

المضحك أن أحد الشابات سألته : و هل سترجعون كل شيء لنا كما كان

فرد عليهتا الصهيوني : نعم نعم

فردت عليه : و سترجعون لأجساد الشهداء أرواحهم

فرد عليها الصهيوني : نعم نعم .. “ثم تنبه لما قال” .. و نظر لها نظرة غريبة .. فإبتسمت هي بقوة و قالت لن تستطيعوا..

طبعاً و للأسف البعض منا وثق فيهم نوعاً ما خصوصا الأجانب .. بدأ مشروع إخلاء السفينة حوالي الساعة التاسعة و النصف مساءاً .. عندها طلبوا من الخروج “واخد واخد” هنا تيقنت أن في الموضوع خدعة .. فلو كان الوضع كما يقولون لسمحوا لنا الخروج مع بعض حاجياتنا و لسمحوا لنا بالخروج مجموعات .. إحدى الأوربيات وجدت علبة كاملة من المصاص “لوولي بوب” .. وزعتها علينا و أخبرتنا أنها تريد عندما ننزل لفلسطين المحتلة و يرونا الصهاينة .. نكون في حالة ثقة و لا مبالاة فيهم و لا بتصرفاتهمم و أن فيها نوعا من التحدي أيضا ..

بدأ كل ما فيني يرجف إلا قلبي .. أفكر بأمي كثيراً جداً .. يألمني أن أكون أنا من يسبب لها الألم و الحزن .. لكن أماه يهون من أجل كل أمهات غزة .. أماه كما رضيتي أن تكوني ممن يقفون بجانبهم و ينصرونهم .. فالله سيقف بجانبك و ينصرك أماه .. لا تخافي أماه .. إن الله معنا .. كما لم أحسها من قبل .. الله معنا أماه .. معنا الآن أنا و أنت يا حبيبتي و يا رفيقتي و يا قرة قلبي يا أمي ..

تعمدنا أن نكون نحن الخمسة آخر خمسة فتيات يخرجن من السفينة .. أنا و سندس و برفين البريطانية  و فاطمة الأمريكية و آليكس البريطانية .. لأننا كنا لا زلنا بنشاطنا و قوتنا .. و لأننا نعرف كيف نكون أقوياء أمامهم .. و لأننا ظننا أن من يخرج قبل سيرتاح قبل .. ففضلنا التعب بما أننا كلنا شباب ..

أخرجونا واحدة واحدة .. نزلنا بهدوء من المقصورة على سلم السفينة .. لازالت برفين و سندس يضعون في فمهم تلك المصاصة في فمهم بحركة لا مبالاة قوية .. تجمعنا عند مخرج السفينة .. فرأت سندس حقيبتها .. أشرت بيدها للصهيوني الواقف أمامنا أن هذه حقيبتها فصرخ أن لا تلمسيها فردت عليه أني لا أريدها لكنكم وعدتونا بإرجاع حاجياتنا و إن لم ترجعوها .. سأحاكمك .. قوية هي تلك السندس .. عندما ترى فيها قوة المؤمن في أحلك الأوقات ضعفا .. في قوتها و جرأتها و إيمانها .. تعدت بمراحل من يظنون أنهم رجال

أنظر من بعيد للخيمة التي ستستقبلنا .. وقفت لقد جاء دوري للخروج .. الآن .. كل ما فيني يرجف إلا قلبي .. لأنه ليس فيني الآن .. إستودعته عند الله .. تأملت وجه الصهيوني بقوة و كانت عيني تنظر له بتحدي .. فلمحت شيئا غريبا رجفة تعتريه كلما صادفت عينه عيني  .. أفهم لم أنا أرجف لكن لا أفهم لماذا أنتم ترجفون .. لماذا ترجفون يا بني صهيون .. لأنكم ظالمون .. لكم الحق إرجفوا من نظراتنا من دموعنا من دعائنا حتى من إبتسامتنا .. فستظلون ترجفون حتى يأتيكم المنون ..

عدت لذلك الباب الفولاذي .. لأودعه بكل ما فيني من حرقة و لأنزل منه..  لكي تطأ رجلي و لأول مرة في حياتي “و لكنها حتما ليست الأخيرة ” فلسطين .. فلسطين المحتلة ..

داخل المقصورة .. في عرض البحر .. السفينة متوقفة .. الساعة تقارب 8 صباحا .. المكيف مغلق عمداً .. لا زالت أعداد الشهداء غير معروفة .. الحرارة إرتفعت .. دخل بعض الكلاب الصهيونية يقودون كلاب بولسية و إحتموا بأحد الجدران .. حتى هذه اللحظة لا زال الكوماندوز  يخافون مننا .. إستدعوا إحدى الشقراوات البريطانية  ”سارة” و طلبوا منها أن نخلي المكان .. واخد واخد  ”كما يقولون” أي واحد واحد .. لسنا نعلم ما الوجهة .. أخذت عملية الإخلاء ما يقارب الساعتين .. كان يخرج “واخد” مننا للتفتيش الذاتي ثم يطلع للسطح في الشمس الحارقة ..

 

الغريب أنهم طلبوا منا إخلاء غرفة الجرحى خلال 5 دقائق .. حاولنا التفاهم معهم و أخبرناهم أن بعضهم لا يستطيعون الحركة ..أخرجوا كل المساعدين و المتطوعين و بقي فقط 3 من الدكاترة و ممرضتان .. لكنهم فاجؤونا بكرمهم و أعطونا 10 دقائق .. لتحريك أكثر من 40 جريح بالرصاص الحي ..ثم دخلوا بقوتهم و عتادهم و أسلحتهم المصنوعة في أمريكا .. و بدؤوا بالتعرض للجرحى اللذي كان يرفع أغلبهم السبابة  .. في هذه اللحظة و  من أجل تأمل عميق في  وحشيتهم .. أحد الجرحى كانت إصابته رصاص بالرئة و معه نزيف حاد و طلب الدكتور أن يستلقي على جنبه الأيمن حتى لا ينزف على القلب و الرئة الغير مصابة و طلب من إثنين من الشباب الوقوف معه للتأكد من عدكم تحريكه لجسده .. طبعا دخل الصهيوني و كلابته قبله و بكل وحشية دفع بيده بجسد الجريح الغير واعي  للجانب الآخر .. و لحساسية الموقف و للإحتمال الكبير أن يفقد الجريح حياته لحظتها .. فقز الدكتور و صرخ في الجندي .. لكن الرشاشات وجهت للدكتور في ثانيتها .. طبعا وجه الدكتور إرتعب من الوضع .. ليس على نفسه .. و لكن على أخيه الجريح .. حاول الدكتور أن يستوعب غباء الجندي الصهيوني و يشرح له أنه لا يستطيع أن يترك هذا الجسد بهذه الحالة لكن الدكتور تجاربه في الحياة لم توصله ليوم ما في أن يتعامل مع غباء وحشي .. فقام الدكتور بنفسه و إستهتر فيهم و برشاشاتهم و عدل وضع الجريح .. أخلوا الجرحى من المقصورة و كبلوهم .. و ظل 17 جريح في حالة خطرة لا يستطيعون التحرك ..

 

جاء دوري في حوالي ال 9 صباحا .. خرجت للتفتيش .. ((كانت هناك “كوماندوزة” >> إمرأة من الكوماندوز)) لتفتيش النساء  .. سألتني سؤال جميل : هل معك “أسلخة” أي أسلحة .. قلت لها لا .. قالت لي متأكدة !!!!

 

الصراحة تأملت السؤال :

هل هم يثقون بنا لدرجة أنهام يسألوننا هذا السؤال الغبي .. طبعا لا لو كانوا يثثقون فينا ما وضعوا “أسلختهم” في رؤوسنا .. و إن كانوا لا يثقون بنا فلم يسألوننا ؟؟ لم أجد تعليل لسؤالها لهذه اللحظة .. لكننا إحتفظنا بعقولنا بعيدا عنهم حتى لا تتلوث .. فتشتنا ذاتيا أي بيدها .. ثم أخرجت شريط بلاستيكي و ربطته على يدي بقوة و إحكام  .. أول قيد مادي في حياتي .. قيد حقيقي ..

 

ورائي كانت الإعلامية من وكالة الأنباء الكويتية كونا “الأخت منى” وضعوا القيد في يدها و أخذت تضحك و تقول: أول مرة .. تجربة جديدة ..

 

نظرت في وجهها و إبتسمت .. بدأنا الصعود من الطابق الأول و مررنا بالطابق الثاني .. الرجال مكبلين للوراء .. و النساء للأمام .. الطابق الثاني كان الجميع محشورين في مقدمة السفينة ..  تأملت في كل الوجوه و بدأت توزيع إبتسامة أمل على كل من أراه .. و الرائع أن الجميع كان يبادلني ذات الإبتسامة بقوة .. كأن حوار القلب المؤمن للقلب المؤمن عندما يهمس فيه “لا تخف إنّ الله معنا” .. طلبوا منا الإكمال للطابق الثالث .. أي السطح .. شمس حارقة جدا .. لا غطاء على الرأس أجلسوا الجميع أرضاً .. مع أن هنالك كراسي .. حر شديد .. لم يرحموا أحد فهذ أم محمد الغزاوية التي ذبلت من فتك مرض السرطان في جسدها قلقة على ال 14 طفل في بيتها التي تركتهم من غير عائل و لا كبير .. قلقة و هي ترى حلمها الأخير بالعودة يتفكك أمامها بعد أن أغلق الفرعو صهاينة معبر رفح أمامها .. يا الله كيف سيقابلون الله و هم الذين عرفوه ثم تشاركوا مع عدوه من بني صهيون في الحصار على غزة .. .. و جيري الأسترالية الحامل بالشهر الثالث و زوجها المصاب الذي لا تعلم ما حصل له .. و البابا كابوتشي .. و العم إسماعيل الغالي  لم يرحموا شيباته و كبر سنه ..

بعد ساعة من تجمعنا جميعا .. بدأت مروحيات الجيش الصهيوني بالإقتراب من سطح السفينة فوق مقصورة القيادة .. ينزل أحد الجنود معه نقالة للمرضى .. و بدؤوا بإجلاء الحالات الحرجة .. المروحيات كانت بعيدة عننا نوعا ما .. مع ذلك عندما تكون موجودة أضطر لوضع يدي المكبلة على رأسي لأني حجابي يطير من قوة الهواء الذي تستثيره المروحية العسكرية .. و أتأمل الجرحى الذين في حالات خطيرة و الذي يستغرق صعودهم ما يقارب ال 7 دقائق للوصول إليها .. أرى النقالة تدور بقوة مع الجريح الذي تحمله … يا رب رحمتك فيهم يا رب .. أكثر من 5 مروحيات ما يقارب ال ساعتان و النصف و هي تنقل ما يقارب ال 40 جريح .. أحدهم و هو صديقي الرائع إحسان من قافلة شريان الحياة 3 كان معي و حصلت له معجزة سبحان الله .. دخلت الرصاصة من خلف رأسه ثم خرجت من فمه .. و عاش .. سبحانك يا رب ..

 

بعد 3 ساعات أحسسنا بالعطش الشديد و طلبنا منهم بعض الماء .. رفض شديد منهم .. ما يقارب ال 15 جندي على رؤوسنا برشاشاتهم و هنالك جنود في الطابق السفلي و هنالك جنود مع لجرحى و هنالك جنود في المقصورات الأربع الرئيسية و هنالك جنود في غرفة الصحافة و هنالك جنود حول كل مداخل و مخارج السفينة و هنالك جنود على السطح و هنالك جنود في المروحيات و حولنا الان أكثر من 30 سفينة و بارجة و زوارق بحرية “زوداك” و غواصتان مملوئين بالجنود .. يا ترى هل بقي صهيوني واحد في بيته أم الجميع خرج لإستقبالنا برشاشات الدم ..

 

العم إسماعيل جالس الأرض .. و جاء أحد الشباب و إتكأ على ظهره .. و بالطبع العم إسماعيل الذي كان معنا في القافلة السابقة أيضاً  لا يفتأ عن ذكر الله .. فقال لا إله إلا الله .. فرد عليه الشاب الذي إتكأعليه .. هذا إنتا يا بابا .. شده العم إسماعيل للحظات فهذا صوت إبنه مصطفى .. لقد بلغوه إنه حي .. لكنه لم يتأكد حتى هذه اللحظة .. فقال مصطفى الحمد لله الحمد لله .. ووقف في مكانه و قال سأذهب لكي أصلي شكرا لله .. فصرخ فيه الصهيوني أن إجلس .. فرد عليه العم إسماعيل بالعبري : إنكتم و لا شأن لك بي أنا ذاهب للصلاة .. و قام بكل ثقة و ذهب فتوضأ و صلى و يداه مكبلتان .. سبحانك يا رب يا من رددت عليه إبنه و حفظته من بطشهم .. هذا الموقف كان شحن للمعنويات .. بالأمل و الإيمان .. لله قلبك يا حبيبي يا عم إسماعيل ..

 

تدخلت سارة البريطانية و بارفين و أنا و سندس و عبدالله الإبراهيم و أصبحنا سلسة لوجستية لنقل المياه .. الحمدلله .. تقريبا شرب المياه الكل و كان يتخلل كل 5 دقائق العبارة الشهيرة “إسكت”  أو “سييت” يعني إجلس بالإنجليزي مع خلفية ثلاثية الأبعاد لرجل شديد السمرة مخيف الشكل يوجه الرشاش لرؤوسنا مما يجعلنا نجلس لدقائق ثم نقف لنكل مهمتنا أو نكملها و نحن جالسين .. ثم ينتبه علينا و يعود للصراخ بإنجليزيته المقززة و وجهه المغطى بقماش جيشي .. هنا بدأنا بالتجرأ عليهم .. و مناقشتهم .. و كلمى يحمي النقاش تقترب الرشاشات المصنوعة في أمريكا  أكثر و لا اعلم سر العلاقة العكسية لكن حس العناد و التحدي يكبر فينا .. ليس لأننا أقوياء لكن لأننا واثقون بأنهم جبناء ..

 

الآن بعد أكثر من 5 ساعات بالشمس.. إنتهى الماء و أحضروا لنا مياه غير صالحة للإستهلاك الإنساني و هذا يدل على قناعتهم العميقة أننا لسنا بشر .. أحسست بالرجال و الشباب لأن رؤوسهم غير مغطاة  و خفت عليهم من ضربة الشمس و بما أنهم مكبلين للوراء فلا يستطيعون تحريك أيديهم .. بدأت أفرغ في يدي الماء و أسكبه من الأعلى على رؤوسهم .. و شيء طبيعي أن أسمه لي كم كلمة سباب و شتم بالعبرية تنتهي بسيييييت .. و لكنني تغابيت و أكملت المهمة على قدر المستطاع .. في كل آن عندما كان الماء ينسكب على رؤوسهم .. كنت أسمع أعذب “جزاكي الله خيراً” أو “ثانك يو” لأنه الجميع بدأ يذوب من الحر ..

 

كان معنا أحد الشباب البريطاني من أصل فلسطيني و أسمه أسامة .. قبل ضرب السفينة بمدة قليلة كلموه قناة تلفزيونية مشهورة لعمل مقابة مباشره خلال 7 دقائق و يجب عليه خلالها حجز إرسال .. بعد 5 دقائق تمكن من حجز شيفرة إرسال ثم نظر لشعره المنكوش لم يتبقى له سوى دقيقتين للخروج على الهواء .. فركض للمطبخ و أخذ زيت الطبخ الذي طبخت به الكفته و إستخدمه كجيل للشعر .. طبعا شكل شعره كان صحي و رائع في المقابلة .. المضحك هنا أننا عندما صعدنا للسطح و مع الشمس و الحرارة .. أسامة بدأ يتلفت على الشباب و يسألهم : Who is cooking Kofta now .. و يبدأ الجميع بالبحث عن مصدر هذه الرائحة النفاثة و مع الجوع و التعب تصبح أكثر من شهية .. ثم يتذكر أسامه جريمته و يسكت و هو يحس برأسه يغلي من الدهن في هذه الشمس الحارقة .. و عزائه الوحيد أن هذا الدهن في شعره كانت غايته نبيلة  :)

بعدما جلست و إنحشرت على الأرض .. تلفت لجيري أسألها عن زوجها المصاب .. و هل أخذوه أم لا ؟؟ فقالت لي كلمة واحدة مع إبتسامة مؤمنة سلمت أمرها لله لم أرها على وجه من ولد و عاش و تكهل في  الإسلام .. لكنني  رأيتها في وجه جيري ذات الواحد والعشرين ربيعا التي أسلمت منذ عامين فقط .. هو في حفظ الله :)    فقلت في داخلي كفى بالله حفيظا .. إلتفت حينها على يميني لأجد مكان أحد الشباب الأتراك الذي كان ينام فيه و قد علق صورة أبنائه .. طبعا الصهاينة خلعوا كل الأعلام و المعدات على ظهر السفينة لكن هذه الصور ظلت هناك راسخة و لم تتزعزع .. و كلي خوف واحد أن يكون صاحب هذه العائلة قد ودع هؤلاء الورود إلى الأبد ..

 

حوالي الساعة الثالثة .. بدؤوا بإنتقاء أشخاص مننا و إنزالهم بعد ما طبخنا من الشمس و الحر و العطش و الصداع و أنزلونا كلنا للمقصورة ذاتها .. .. حين نزولنا مررت فوجدت الشيخ رائد صلاح جالسا ففرحت بسلامته و ووجدت مستر بولانت رئيس هيئة الإغاثة التركية بحال طيب فإطمئننت .. نزلنا بطريقتهم الهمجية للمقصورة عند دخولنا وجدناها كلها مكسرة .. كل الحقلئب مفتوحة .. كل الحاجات الشخصية على الأرض .. كل الكراسي مخلوعة .. المكان متعرض لتفتيش همجي دقيق .. الجنود موجودون في كل مكان .. طلبوا منا الجلوس بصمت و من غير أن نتحرك .. بعد نصف ساعة إلتحق بنا الصغير محمد الفاتح ليكسر جو الجمود و بدأنا بأخذه بأحضاننا .. لكن مع مؤثرات صوتية من السباب و الصراخ العبري كخلفيات موسيقية .. حتى يتأكدوا أننا لا ننسى أن رشاشاتهم موجودة .. و أنهم موجودون ..

 

أحسست بتعب شديد .. و إحتجت للوضوء لأداء صلاة العصر فتوجهنا أنا و سندس و بارفين للجندي كي نخرج من المقصورة ..  و دار هذا الحوار

الصهيوني التعيس : No sit in ur place ..

هياء: we need to go .. its almost 10 hours we didnt use the toilets

الصهيوني التعيس  : واخد واخد يروخ .. الترجمة : واحد واحد يروح

سندس “بقوة” : we dont trust you how can we go alone .. either you send one women soldiers with us or we go two together

الصهيوني التعيس  : يا الله .. واخد واخد يروخ .. 

هياء : لا زوج زوج .. الترجمة : إثنين إثنين >> الصراحة لا أعرف كيف قررت حينها أن أستخدم هذا المصطلح للتعبير عن شخصين

الصهيوني التعيس  : يا الله .. رووووخ روووخ .. ” و هو يؤشر بسلاحه”

و كان هذا بداية فهم كيفية الأسلوب الأمثل للتعامل مع هؤلاء الجبناء .. إستخدام الصوت القوي و النبرة الثقيلة و الثقة بالنفس تهزهم

 

توضينا و صلينا الظهر و العصر كل على حدة  صلاة مودع .. و جلست أقرأ القرآن و الأذكار ثم أقرأ وجه زوجة الشهيد الذي لا زال جثمان زوجها أمامنا .. و أطل في جيري الحامل التي لا تعلم أين زوجها لكنها لا زالت تردد أنه في حفظ الله و تبتسم  و ثم أتأمل وجه محمد الفاتح  هو نائم جنبي بكل سكينة .. ثم أخشع في وجه العم إسماعيل من بعيد الذي رد الله عليهم إبنه .. و أقول إرزقنا يا رب .. إرزقنا .. ما رزقتهم ..

كانت الصراحة على متن سفينتنا في هذه الأوضاع أمر غريب .. نزل مستر بولانت “أو النمر ” كما يحلو لي تسميته ليتفقدنا نحن معشر النساء .. لا زلت غير مستوعبة ..  تطمن علينا واحدة واحدة .. ثم قبل خروجه  إبتسم لنا و قال صبرا صبرا و رفع السبابة .. هذه الحركة رفعت المعنويات أكثر .. روح تحدي غريبة تسري فينا كلنا .. لست خائفة لكنني أرتقب .. آه أمي .. لقد نسيتها .. يا الله  كيف ستكون الأوضاع الآن .. يا رب أفرغ عليها صبراً .. يا رب طمن قلبها .. يا رب هذا ما إرتضيته أنا لنفسي و لكن ليس لأمي .. دوي صراخ الجيش الصهيوني في السماعات يطلبون منا التوجه للمقصورة العليا .. السلم تملؤه الدماء .. خرجنا كنساء مع بعض و جلسنا في المقصورة مع الرجال .. الساعة الآن تقارب السادسة صباحاً .. أين الصهاينة !! حتى الآن لم أسمع سوى صوتهم و أنا أحس بالقرف !! و لكن أين هم أريد أن أراهم ؟؟

إرتجفت في مكاني و أنا أسمع ضرب شديد مفاجيء على النوافذ .. يا الله ما هذا الخوف .. كل الجنود متجمعين خارج المقصورة و موجهيين الرشاشات لنا من النوافذ .. أحسست بحجم الخوف في قلوبهم مما أعطاني جرأة مضاعفة .. وقفت .. فوجدته يضرب النافذة بقوة و يلوح لنا برشاشه .. تذكرت في مثل هذه الأحيان ناظرة المدرسة الضعيفة التي تقف خارج الفصل و تطل علينا من النافذة لتخوفنا بنظراتها ثم تطرق النافذة بنظارتها كي نسكت و نتأدب أثناء حديثها مع مدرستنا عند باب الفصل مع أني كنت طفلة لكنني كنت أفكر ألا تستطيع الدخول بأدب و تخبرنا بما تريد بدل هذه الطريقة الغير مفهومة  .. كان ذلك الهمجي الصهيوني يفعل نفس الحركة و عندما يريد التحدث معنا يطلب من أحد الشقراوات الخروج و يعطيها الأوامر ثم تعود هي لتبلغنا إياها ..

طبعا كل كلب بوليسي  يمسك به كلب صهيوني .. كل الجنود وجوههم مغطاة بالكامل .. أعتقد أنه خوفا من الحسد .. و نحن جالسين طلبوا منا إدخال جثث الشهداء لنفس المكان الذي نجلس فيه .. طبعاً هذا نوع من الضغط النفسي .. ساد هدوءا على المكان و جثث الشهداء تنقل للداخل .. و بدأت التكبيرات و التهليلات و الدعاء من الجموع .. و العيون تراها تغبط من فارقنا للجنة  .. و وضعت الجثامين .. و قامت زوجة الشهيد من مكانها غير مبالية بالصهاينة .. و جلست عند رأس زوجها تذرف دموع الحب و القلب .. جلست فوق رأسه دقائق معدودة ثم رجعت لمكانها و أخرجت من شنطتها شال أحمر ووضعته على رقبتها .. هذا الشال هو عرف تركي يربط على العروس في ليلة عرسها كعلامة الإحتفال و الفرح بالعرس .. زوجة الشهيد التركية قررت أن تكون تلك العروس في عرس شهادة زوجها و هو يزف للجنة ..

أغلقت عيني على أمل أن ينتهي هذا الكابوس الصهيوني .. كدت أصرخ “أمااااه” لكن إنحشرت تلك الحروف في حلقي .. يا هيا يا حبيبتي  لست الآن في بلدك و بين أهلك .. لست الآن تلك الفتاة المدللة التي تطلب فتعطى .. لست في ذلك البيت الآمن الذي تعودين له فتأمنين .. لست سوى إسم مجهول من حروف عربية .. أي حروف غير مهمة .. أو قد تكونين أقل من ذلك .. قد تكونين مجردد عدد .. أو رقم .. يضاف إلى ال 1,400 شخص اللذي ودعوا أرض غزة شهداء .. شهداء للسماء .. أو شهداء للأرض .. على أنانيتنا ..

 قطع تفكيري صوت مسن عربي يصرخ .. العم إسماعيل قارب التسعين من العمر .. أشهد أن لا إله إلال الله و أشهد أن محمد رسول الله .. لم يكن يبكي .. لم يكن يتألم .. لكن في نبرة صوته قوة .. قوة ترتجف بسبب الحنجرة المتهالكة من شتاء العمر .. و يعيد الشهادة و يرفع السبابة .. ثم يقف من مكانه ليجول بيننا .. لم أكن أعرف ما الذي يجري !! فقد كنت غارقة في تفكيري .. وقفت فوجدت جثة جديدة أمامنا .. حاول أن أسأل من جنبي عن الحدث لكنهم كانوا أجانب فلم يعوا ما الذي حصل لأن هذا المسن هو أردني و كل الحوارات دارت بالعربية .. عدت إلى المقعد .. و أغلقت عيني مرة أخرى أملا في أن أستوعب الأحداث لا أعلم من الشهيد الجديد .. لكنني أعلم أن الله إنتقاه مننا .. صدق الله فصدقه الله .. كنت أخاف أن يكون شخصا أعرفه جيدا ففضلت السكوت و القنوت لرب العالمين .. لا زال صوت العم إسماعيل يتردد بالشهادة .. ثم سمعته يقرأ هذه  الاية .. بل أحياء عند ربهم يرزقون .. ثم تنبهت لشيء غريب .. أن الناس تحاول تهدأته و تعزيته … و هو يردد إسم مصطفى مع بعض الأدعية .. فتحت عيني بقوة و وقفت مرة أخرى بكل مافيني من طاقة لأستوعب أن هذا الشهيد الذي بين يديه النحيلتين هو  إبنه .. لا إله إلا اله و ما شاء الله .. إبنه مصطفى شهيد و هو بهذه القوة .. علمت أنه علم بإستشهاده منذ ساعة تقريبا .. و للتو وصلت الجثة .. ظل يكشف عن وجه إبنه مصطفى و يقرأ القرآن و يقول الأذكار بصوت جهوري .. و بما أن الصهاينة يظنون أننا قطط لها سبعة أرواح فكانوا يصرون على تفريغ كل رصاصاتهم في وجوه و وصدور الشهداء بعد إستشهادهم للتأكد من أن “موت الميت قد مات” .. سبحان الله حتى الميت يرتعبون منه ..  الجثة ملامحها صعبة بسبب الرصاص المفرغ فيها من قريب .. و إستمر الأب في أذكاره و القرآن قرابة الساعة .. ثم دخل أحد الشباب الأردنيين “أنس” يبحث عنه و عندما وجده أبلغه أن إبنه حي يرزق في مقصورة الجرحى .. لكن الرجل المسن أصر على أن الشهيد إبنه و كأنه كان يتشغف أن تكون هذه الوداعية الشريفة من نصيب إبنه .. يا له من قلب أب كان الله و رسوله أحب إليه مما سواهما فرضي بالقضاء .. و يا له من أب مؤمن علم كيف ينتقي نهاية من يحب بكل الحب الأبدي .. حب الجنة .. كشف الرجل المسن عن وجه الشهيد و تمعن فيه ثم إستوعب أن هذا ليس إبنه ..

((هذا الحدث شاء رب العالمين أن يصور و يهرب و سوف ترونه بأعينكم حتى تعيشوا مع الأب تلك اللحظات..  قريبا على اليوتيوب))

 الأحداث بطيئة جدا و الإستيعاب لدي أبطيء .. و لا زلت أغلق عيني بين التارة و الأخرى أملا في أن ينتهي هذا الكابوس .. لكنني عندما أفتحها أجد رشاشات الصهاينة موجهة لرأسي من خارج النافذة .. جبناء مر أكثر من 4 ساعات على زيارتهم اللطيفة جدا التي تخللها 9 قتلى و أكثر من 40 جريح و لا زالوا في الخارج يخافون مننا .. دقات قلوبكم تنبض بالذل يا أهل صهيون .. من النافذة أتأمل تغيير جديد لطاقم الحراسة الخارجي .. أعتقد أنهم تعبوا من الخوف ..

 

من بعيد ترى سفينتنا الأخرى “سفينة ال 8000 ” و هذا الرقم تعبيرا عن عدد السجناء الفلسطنيون داخل سجون الأذلاء من بني صهيون .. في تلك السفينة التي هوجمت بعدنا و تعرض أغلب من فيها للضرب الجسدي و كان عددهم أكثر من أربعين شخص غلبهم من أوربا و أمريكا و أستراليا .. أحدهم و هو “باول” أمريكي الجنسية و يبلغ من العمر 65 سنة .. قرر أن لا يكون لقمة سائغة لأطفال الكامندوز الصهاينة .. فقام بعمل مقاومة سلمية رائعة .. ركض من على متن السفينة و هو يلبس سترة النجاة و قفز في البحر و بدأ يسبح .. إلى أين لا أحد يعلم .. فلا يوجد أي شاطيء قريب مننا لو سبح لأيام .. لكن كل ما تراه هو نقطة برتقالية اللون تسبح بعزيمة غريبة .. و ربكة صهيونية شديدة  و محاولات لسحب تلك السمكة البرتقالية المتمردة من البحر .. حاولا سحبه بمثل الصنارة لكن كلما كان يقترب من السفينة يغيظهم فيخلعها و يكمل رياضته البحرية .. .. أعتقد أن الكوماندوز لم يتدربوا على هذه الحركة الخطيرة من قبل فإحتاجوا لقرابة الساعة لإخراجه .. هذه الحركة البسيطة كان لها أثر .. فقد أخرت مسيرة السفية 8000  للسجن مما غاظ الصهاينة .. و مما جعلهم يحتجزونا لمدة أطول بالداخل لأنهم خافوا من إخراجنا للسطح لإحتجازنا بالشمس فنرى هذا المشهد فنتبع خطى العم “باول” و نقفز في البحر و يصبح الموضوع خارج نطاق السيطرة .. فأعطانا ساعة أخرى من الظل داخل المقصورة .. طبعا اخرجوه من البحر بعد حوالي الساعة .. و هم غاضبين و اوسعوه ضربا و هو رجل عمره فوق الستين .. لكنهم لن يستطيعون أن يعطون إجازة  لوحشيتهم ثوان و يعوا أنه رجل كبير في السن و لم يقم بعمل سيء كل ما في الأمر أنه إستعذب الرياضة البحرية من أجل غايات سلمية .. لله درك يا “باول” يا من رفض للنهاية أن يحسسهم بنشوة النصر ..

 

رميت جسدي في حضن صديقتي البريطانية .. أظنني أحتاج لبعض الأمان كي أستطيع أن أغلق عيني .. أغلقت عيني .. يا رب غيّر الواقع .. يا رب نحتاج لما يوقد معنوياتنا نحتاج لدفعة أمل بين هذه الأشلاء و الدماء و الضحايا و الرشاشات .. يا رب ليس لي رب سواك .. يا رب يا رب يا رب .. فجأة دوى في المقصورة صوت تصفيق حاد .. حاد جدا .. ظننت أنني بدأت بأحلام اليقظة .. تمنيت لو أفتح عيني لكنني لم أرد لهذا التصفيق أن ينتهي ففضلت الإغماض .. أحسست بصديقتي انها تريد التحرك ففتحت عيني و وجدت الجميع واقف و يصفق .. و إذا من بعيد “محمد الفاتح ” يدخل علينا تحمله أمه بفرح و فخر مع أبيه .. محمد الفاتح إبن مساعد الكابتن الرضيع ذو السنة و النصف و هو يبتسم  .. و كانت هذه أول مرة نراهم فيها بعد أن أفرجوا عنه الصهاينة بعد ما وضعوا الرشاش في رأسه لنصف ساعة .. كرهينة .. رهينة لجبنهم .. 600 راكب لم يستطيعوا مسك واحد منهم كرهينة و ركضوا بكل قواهم و أسلحتهم تجاه الطفل .. جبناء ..

 

تأملت تلك الوجوه .. كأن الله لا يزال يعلمني دروس الحياة و الشجاعة و الأمل .. تارة في الحاج إسماعيل الذي يبلغ من العمر ما يقارب التسعين ربيعا و تارة في محمد الفاتح ذا السنة و النصف ربيعا و تارة في زوجة الشهيد .. عجوز .. إمرأة .. طفل .. أخجلوني بصبرهم حفظهم الله .. كأن القدر يهمس في إذني بنيتي .. يحفظ الله من يشاء أن يحفظ .. فلا تخافي و لا تحزني .. فقط .. إحفظ الله يحفظك ..

 

إرتفعت المعنويات و الإبتسامات .. و لكن الرشاشات لا زالت مرتفعة أيضا .. هنا بدأت الحرب الحقيقة .. الحرب النفسية .. حرب الإيمان

الأثنين ٣١ مايو ٢٠١٠ فجراً

لا زال هذا الإسم الوقح “الرصاص المسكوب” للحرب على غزة يستفزني بقوة .. هل تجرأ هؤلاء الصهاينة على إعلان الوحشية و التجرد من الإنسانية من غير أن تستنكر الإنسانية ذلك .. حتى نحن من نحمل بقايا إنسانية مصطنعة نعطف بها على عصفور ميت على الرصيف و نخوفنا من صرخة مباغته .. نحن نصطنع تلك الإنسانية كي لا نتفاجأ بإنعدامها .. فهي ذات الإنسانية التي نقلبها بين القنوات التلفزونية و نحس بالملل و القرف من المعاناة و الحروب و الدماء فتنقلنا إنسانيتنا “بالحلال” بزر إلى قناة أخرى نتابعها بكل شغف و عشق و نمسح دموع العاشقين المظلومين “يا حرام” من على الشاشة من التأثر .. ثم نضع رأسنا على تلك الوسادة المريحة بقلب مطمئن مرتاح و ندعو الله أن يجمع المحبين في الحلقة القادمة و ننسى أن ندعي لأشلاء المعذبين في أنحاء الأرض من عرب و عجم من مسلمين أو مسيح أو غيرهم .. في كل ليلة نتعمد أن ننسى إنسانيتنا كي ننام بسلام و من ثم نصحوا على نور مادي جديد يزيد القلب إظلاما ..

قد تسألوني هيا “يا الله كفى ليس هذا ما نريد” أين الأحداث !!! .. اسفة .. يا حبيبي فمن يبحث عن حدث ليقرأه بين صفحات حياتي لن يجد .. فهذه حياتي و ليست كتاب تاريخ .. هنا أنثر قلبي و دربي و هما لا يتجزآن كل منهم ينعكس على وجود الآخر .. فإن كنت تظن أنك ستستمتع بالحدث .. فأرجوك ودعني الآن و إرحل .. فليس لدي ما يبقيك أو يرويك .. لدي فقط ما تحسه بقلبك هنا كي تصنع به حياة بيدك هناك .. في تلك البقعة .. التي تحمل أي إنسان في أي مكان ..

30051_387800297214_663947214_4161179_5313886_n

فجرا الساعة ٤.. الجموع تصلي في جميع أنحاء السفينة .. البعض نائم و الأغلب يصلون الفجر .. إنتهت الجماعة الأولى و بدءت جماعة أخرى .. منذ أقل من ساعة كانت هنالك محاولة للإنزال من رابع أقوى جيش في العالم الحيش الصهيوني .. ضد سفينة إغاثية تحمل ٦٠٠ راكب مدني متطوع من العالم كله أعمارهم من السنة و النصف إلى ٨٨ ربيعاً .. الغريب أنها فشلت المحاولة الصهيونية الأولى .. لا زلنا نظن أن تصرفاتهم هذه كلها تهديدات فقط و محاولة تخويف .. لأننا لم نتوقع أنهم حقيقة فشلوا في الإنزال أو تسلق السفينة من الجوانب .. لم نعلم أنهم خائفين ظننا أنهم يحاولون تخويفنا و ظنناهم مدربين على الحروب و أصعب الدروب .. لكن ضعفهم و خوفهم كان أكبر .. بعض القنابل المسيلة للدموع و الرصاص المطاطي كان من نصيبنا كبداية عربون سلام من الصهاينة لأفراد الأسطول ..

34339_400740652956_564207956_4470201_5485600_n

جلس فرقان “الشاب الذي على اليسار”  في غرفة الصحافة الفارغة يستغل الفرصة الذهبية و بدأ بكتابة رسالة إلكترونية لأمه كانت هذه الكلمات العطرة جزء منها  ” ولكني اشتقت إليك يا أماه.. ولست حتي الآن متأكدا من الاستشهاد فهذا في علم الله.. آختارك أنتِ أم اصبح شهيدا عند الله .. وفرغت القاعة لتو, واخذ الحماس يملأ قلوبنا حين على دوي رصاص الأعداء في السماء معلنا هجومهم علينا”.

30051_387800302214_663947214_4161180_1947136_n

الساعة ٤:١٢ دقيقة .. لا زال البعض يصلي الفجر و البعض يقرأ القرآن و الإعلاميين على قدم و ساق ينقلون البث من سطح السفينة .. بدأ يضعف الإرسال في السفينة بقوة .. و من غير سابق إنذار .. المروحيات العسكرية بدأت بقذف قنابل مسيلة للدموع ثم قنابل صوتية بالتزامن مع إطلاق رصاص مطاطي و رصاص حي .. المكان عبارة عن غيمة معتمة .. ظلام يتخلله صوت المروحيات و القنابل و الرصاص .. صراخ .. هنالك جرحى .. صرخ الأتراك جميع الجنسيات الأخرى تهبط للأسفل .. لبسوا كمامات و حاولوا الصعود .. إقتربت المروحيات الواضح أنها محاولة إنزال .. إنقشعت الغيمة .. هنالك جرحى ينزفون في كل مكان .. حاول أحد الأتراك الجرحى الذي كان ينزف نزيفاً شديداً أن يزحف بإتجاه السلم حتى يحمله رفاقه و يحاولوا إنقاذه .. و إذا بأحد الصهاينة يعترض طريقه

التركي : HELP .. HELP و يحاول الزحف

الصهيوني : YOU NEED HELP .. OK I WILL HELP YOU

و بأعصاب باردة وجه الرشاش لرأسه و أطلق رصاصة مباشرة بين عينيه أردته قتيلا في الحال .. و سقط أمام رفاقه و الجميع  في حالة ذهوووووووول

في الطرف الآخر كان صهيونيين آخرين يضربون صديقنا فرقان في زاوية السفينة .. لأنه كان يحمل بيده كاميرا .. و ثم رفع الرشاش و الطلقة الأولى في رأسه إستقرت ثم الثانية ثم أكملوا ضربه و قد توفي .. ثم الثالثة في رأسه ثم الرابعة و الأخيرة إستقرت في صدره .. بكل وحشية و عنجهية .. ما تهمتك يا فرقان ؟  لا شيء

26706_1325299977848_1391344290_30781655_7638473_n

عندما رأى الأتراك هذه المناظر و أصحابهم ينزفون .. إنقضوا على الصهاينة الثلاثة الموجودين على سطح السفينة و أسروهم واحد تلو الآخر .. طبعا كان من المفترض أن يتم الإنزال لعدد كبير لكنهم فشلوا في تكملته .. فشل و فضيحة لهذا العدو الصهيوني .. أخذ الأول و رمي داخل السفينة .. بدأ يصرخ و يبكي .. نزعوا منه أسلحته .. و أصبحوا ينادونه بإسم شاليط .. إنهار الصهيوني بالبكاء عند سماعه للإسم لأنه يعلم أن جلعاد شاليط الجندي الصهيوني الذي أسر و هو يحاول تنفيذ مهمة عسكرية صهيونية في غزة منذ ٤ سنوات و لم يعد حتى الآن .. سحبوا الثاني و أدخلوه و سموه شاليط ٢ جن جنونه و أخذ يبكي كالأطفال

.. و الثالث أيضا جردوه من أسلحته و لكنه لم يكتفي بالبكاء فقط فما إن سمع شاليط ٣ حتى إنهار و بال على نفسه من شدة الخوف .. لله دركم من كوماندوز .. أهذا الجيش الذي لا يقهر ..

26706_1325300297856_1391344290_30781662_1972256_n

كانت الأسلحة بالكامل معنا و الجنود أمامنا و الغضب الشديد من قتل الرفيق فرقان و صديقه و الجرحى ينقلون أمام الجميع مع ذلك طلبوا د. حسين طبيب السفينة ليكشف عليهم .. بدل أن نفرغ الرشاش في رؤسهم كما فعلوا في رفاقنا ..

بدأ الإنزال الثاني .. لكنهم لم يتوجهوا للركاب هذه المرة .. بل توجهوا لمكان سكن الكابتن و مساعده في الأعلى و أخذوا إبن مساعد الكابتن الذي يبلغ من العمر سنة و نصف و وضعوا الرشاش في رأسه الأنذال و نزلوا للركاب كي يبادلوهم الطفل بالشاليطات المعتقلين لدينا .. يا خوافيين .. كل هذه البوارج و السفن و الأسلحة و المروحيات و الرصاص و القنابل .. و تركضون لهذا الطفل .. طبعا على الفور أخرجنا الشاليطات الأنذال .. و سلمناهم من غير إصابابت سوى جروح بسيطة  و نفسيات منهارة .. و رفعنا العلم الأبيض ..

32276_1325867832044_1391344290_30783341_7400091_n

على الجانب من السفينة كان يسير جودت و بيده كاميرته .. و جودت رجل متزن هاديء تراه منغمسا في عمله طوال الوقت .. أب لسبعة أبناء منهم إبنته المتزوجة و هو مسؤول غرفة الصحافة و له فضل على هذه المدونة .. لأني كلما دخلت الغرفة أطلب منه تغيير الجهاز من التركية للعربية حتى أستطيع أن أكتب لكم فكان يساعدنني دائماً .. و جودت يسير على جانب السفينة جائته الرصاصة من المروحية و إخترقت رأسه ..

32276_1325867152027_1391344290_30783340_6385276_n

واضحة التعليمات لهم بالقتل .. الإصابات من القناصة كانت إما الرأس أو الصدر .. و في بعض الحالات الركبة لأنها تشل كل الرجل .. وحشية وحشية وحشية ..

لا زال الرصاص يدوي في كل السفينة و لا زال الجنود ينزلون عليها و لا زالت المروحيات تقنص البشر .. لقد رفعنا العلم الأبيض و أوقفنا السفينة .. نداءات الإستغاثة في كل مكان .. يحيلون بيننا و بين الجرحى  .. مرمرة واقفة على بعد ١٣٠ ميلا الآن من الحدود الفلسطينية لغزة .. كل أجهزة الإتصال توقفت .. محاولات لإسعاف بعض الجرحى .. تسمع الشهادة تتردد من الجميع .. الكل يرتقب .. نداءات الإستغاثة تصدح .. هنالك فقط ٣ أجهزة للأكسجين و المحتاجين أكثر .. خصوصا للمصابين برصاص في صدورهم .. و الغريب أنك تجدهم يرفضون إستخدامه و يطلبون منا وضعه لمريض  آخر قد يكون أكثر حاجة .. تخيل أنك في هذا الموقع ..رصاصة غير متوقعة في صدرك و نزيف و لا يوجد طاقم طبي حقيقي و تحس بإختناق .. لست تعلم ما هي حالتك الصحية الحقيقية و لا إلى متى ستظل في هذه الحالة .. و الصهاينة سيحاوطونك قريباً .. و يعطونك كمام أكسجين و ترفضه .. ليس لأنك لا تحتاجه .. بل لأنك في هذا الحال تفكر في خيرك و تخاف أن هناك من يحتاجه .. من يا ترى صاحب هذه الروح التي تضحي من ؟! من منا يقدر أن يعطي من نفسه هكذا من ؟؟

لا زلت في حضن صديقتي البلجيكية مذهولة .. أشاهد الجرحى ينزلون فأذهب لأساعدهم ثم أعود لحضنها .. كما يعود العصفور لعشه و هو ينتفض .. أمامي رجل ينازع .. لا ليس الموت من ينازعه .. هو من ينازع الموت .. هو من ينازع الموت ليحظى بالشهادة .. هاديء يتألم بصمت .. و يتمتم بالشهادة .. طلب ماءاً .. قليل من القطن نغمسه بالماء لنرطب به تلك الشفاه المقدسة .. لا زال ينازع لفترة طويلة .. و لا زال الرصاص يدوي و نداءات الإستغاثة من ركاب السفينة تسترجيهم .. و نور الله يدخل للمقصورة ينبؤنا بنهاية الظلام ..

و أبشع صوت يتردد الآن في مايكروفونات السفينة .. الجيش الإسرائيلي يعلن إستيلائه على السفينة و يطلب من الجميع الإستسلام .. و تمتعض الوجوه لسماعه .. كنت أريد أن أبكي في لحظتها لكن إحساس غريب من القوة أوقف دموعي أعتقد أنه يسمى المقاومة .. أتلفت لأرى الجرحى حولي  ثم أرى من بينهم من يودعنا .. و تفيض أرواح الشهداء لبارئها معلنة أنها ستقاوم و لن تسلم هذه الأرواح لهم  .. لأنها أرواح حرة لا تكبل ..

الأثنين 31 مايو 2010 فجراً

كنت متوسدة الايف جاكيت البرتقالية اللون و أحسست بحنيتها عليّ فنمت .. لكن يا حبيبي لا تخف سأروي لك على لسان إخواني و أخواتي ما الذي حصل !

بالضبط في 12 مساءا بدءت نقاط في الظهور على رادار السفينة .. هذه النقاط هي البوارج الصهيونية التي تحمل على سطحها طائرات .. تخيلوا قرابة الأربع بوارج .. لنا نحن أنا و أصحابي الذين جئنا بقلوبنا الحنونة الرقيقة لمساعدة أهل غزة .. نعم هنالك قوى غير متوازنة .. أتعلمون لماذا !! لأنهم يزنون وزناً لإيماننا .. إيماننا الذي لن يقهر بإذن الله .. بدأ الجميع من كل أنحاء العالم بالتجمع بصورة مرتبة و التواجد على سطح السفينة و من كل دولة هنالك شخص ممثل عنها .. أكثر من أربعين دولة .. أي أكثر من 40 إنسان .. أصبحت البوارج الان على مرأى العين و في رادار السفينة ما يقارب ال 16 سفينة حربية و بارجة في طريقهم إلينا  .. طبعا غير المروحيات الثلاثة التي تحوم من حولنا .. بدؤا الجموع على السفينة بإرسال نداءات إستغاثة للعالم  بكل اللغات من كل الجنسيات .. نحن من ذهبنا لنغيث الآن نستغيث .. تخيل ظلام دامس لا نهائي  الساعة 3 فجرا في عمق البحر .. ليس معنا غير الله ثم كاميراتنا .. إقتربت أكثر .. أكثر من 20 بارجة و سفينة حربية و زوارق قتالية لمجابهة سفينتنا لوحدها .. هل جيشهم فاضي ؟! كم كلفتهم تلك العملية ؟! ما هذا الجنون؟!

هنا  بدأت محاولات من الصهاينة لصعود السفينة من الجوانب .. عممت إدارة السفينة التركية بالحال على كل من على ظهر السفينة بعدم إستخدام العنف الجسدي أو الات الحادة أو التكبيرات  و في المقابل عدم السماح للصهاينة بدخول السفينة لأن سفينتنا أرض تركية تحمل إغاثة إنسانية لأرض غزة الحرة حسب القوانين الدولية و ذلك منذ إنسحاب الصهاينة منها من 5 سنوات فنحن في مهمة مشروعة .
الذي فعله الشباب هو أنهم أخذوا العصي التي تركب عليها أعلام السفينة .. و ذلك لمنع الكوماندوز من دخول السفينة عندما يصلون لجوانبها و إسقاطهم في البحر .. و هذا الذي حصل .. ثم إستخدموا رشاشات المياه “رشاش الحرائق” لرشهم .. أحد الشباب الماليزي كان يوجه رشاش المياه على الصهاينة .. فجائته طلقة رصاص حي في يده .. فنقل رشاش الماء ليده الأخرى حتى لا يسمح للصهاينة بالصعود .. و يده الأولى تنزف بقوة و هو مصمم على إكمال مهمته و لا يبالي .. آه .. ذكرني بحامل الراية في غزوة مؤته عندما قاتل زيد بن حارثة حامل اللواء حتى استشهد ، فتولى القيادة جعفر بن أبي طالب ، وحمل اللواء بيمينه فقطعت ، ثم حمله بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى ضربه رجلٌ من الروم فاستشهد ، فسمي بذي الجناحين حيث أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.. اللهم أكرم أخينا الماليزي و أبدله بيد خير من يده ..

إستيقظت من النوم على صوت طرق شديد على نافذتي .. فتحت عيني أتأمل الوجوه الكل يبدأ في أداء صلاة الفجر الساعة الرابعة و 12 دقيقة .. نمت لله الحمد و أنا الان في كامل الطاقة الجسدية و الروحية .. حاولت الخروج من مقصورتنا لأتوضأ للصلاة  .. فوجدت الشباب التركي و قائدة فريقنا التركية يتحدثون ثم إلتفتوا عليّ قائلين لسلامتك غير مسموح مغادرة المقصورة .. ألححت عليهم إني أحتاج الحمام للوضوء .. هنا بدأت أحس أن الأوضاع بدءت تأخذ منحى غير مسبوق .. خرجت من الحمام و كنت أنظر للأرض فوجدت بقعة دم كبيرة .. رفعت رأسي للأعلى لأرى منظرا مستحيل أن يمحي من حياتي .. رجل مرمي على الأرض على جنبه الأيمن مستقلي .. شبه غائب عن الوعي .. ينزف من كل مكان .. رأسه و صدره و ظهرو و رجله .. تفآجأت دم .. ماذا ؟ .. ثم إستوعبت أن ما برأسه طلقات .. رصاص .. لم ؟؟ توقفت في مكاني للحظات مشدوهة و أحس هنالك حالة من الذهول تلفني .. طلبت من مسؤولتي التركية بنفس هادئة جداً الدخول للمقصورة .. دخت المقصورة .. أغلب النساء موجودات .. مددت سجادتي صليت الفجر و عندما إنتهيت من الصلاة .. إلتفت حولي إذ الأغلب مشغول بالقرآن و الدعاء .. هنا دخل علينا مجموعة من الشباب تمتليء ملابسهم بالدماء و بلغوني أنهم يحتاجون لكمية كبيرة من القماش أوالحجابات أو الشالات ..  فللمت من النساء و صعدت للأعلى لألحق بهم .. مررت على ذلك الجريح و هو لا يزال ينازع و يستشهد و يرفع السبابة .. خفت لكن بسكون رهيب يلفني .. صعدت و يا ليتني لم أصعد .. السلم مفروش بسجاد أحمر من الدم .. كل السلم دم .. رجلي تغوص في الدم .. دقات قلبي تتسارع .. و أنا أصعد هذه السلمات بحالة من الذهول .. بدأت أسمع صدى نداءات الإستغاثة من إدارة السفينة في كل الأرجاء بالإنجيليزية و العبرية .. آه أنها لبنى مصاورة .. صوت لبنى يصرخ فيهم .. أيها الجنود الصهيونيون نحن مدنيين لا تستخدموا معنا العنف ليس لدينا أسلحة هنالك قتلى في صفوفنا .. قتلى .. يا الله .. على جانب السلم هنا كانت مسؤولتي التركية جاسة بركبتيها على الأرض .. تلك الملاك الهاديء .. جالسة بقرب جريح تبكي بصوت هاديء  .. يا الله إنه زوجها .. يا الله .. يا رب رحمتك .. فجأة غطت وجهه .. ماذا !!!

نعم يا أمة محمد .. لقد إستشهد .. و كلنا مقعد ..

ركضت لداخل المقصورة العلوية .. بدأ نور الفجر يتسلل لداخل المقصورة .. ألتفت على اليمين جرحى على اليسار جرحى .. و الدم في كل الأرجاء .. رصاص ملطخ بالدم .. جائتني قوة و ثبات غريب .. كنت هادئة .. تلفت حولي لأجد الجميع هاديء أيضا .. حتى الجرحى قد تجد إمارات الألم في وجوههم لكنهم ساكنين .. الأطباء يعملون بهدوء .. و جيري أيضا معهم .. ما شاء الله حامل لكنها تتنقل بين الجرحى بكل ثبات و قوة و تعالجهم .. الله يقويها و يرزقني إيمانها و ثباتها .. و يهني أحمد بها .. أحمد الذي أسلمت على يده ثم تزوجها و هو يصغرها بعام .. نعم من إختار و نعم من إختارت .. فجأه إلتفت على يميني فوجدت أحمد بين المصابين و إلتفت للجهة المقابلة لأجد جيري زوجته  تعالج رجلا آخر كبيرا في السن فعلمت حجم الأخلاق التي يحملها زوجان كان الإسلام هو ميثاق إرتباطها .. الله يثبتهم و يبارك لهم و يرزقهم من فضله و يحميهم ..

توجهت لأحد المصابين و سألته كيف حالك أخي .. هز برأسه و لم يرد ..  إلتفت على أخته لأسألها عن وضعه فأجابتني هو حزين لأنه يظن أن الله حرمه من الشهادة بذنب أو بغضب .. صعقتني الإجابة .. ثلاث رصاصات في رجله و لا زال ينزف و يتألم الان و نحن في حال لا يعلم الله مداه و هذا كل ما يحزنه .. ليس الألم .. ليس الخوف .. بل فقد الشهادة ..

أحسست بصغر ذاتي و بنعمة الله العظيمة و الكبيرة أن منّ عليّ بركوبي أنا و هؤلاء الصادقين في مركب واحد .. أتمنى أن أكون خلية واحدة من قلبك الطاهر الصادق .. خلية يملؤها الإيمان .. بدل جسد كامل لا تكاد ترى فيه بقايا إيمان .. و بدأ يروي لأخته كيف أنه و صاحبه كانوا واقفين لحماية السلم من الصهاينة حتى لا ينزلوا عند النساء و عندما حاول منعهم .. جاءت طلقات حية من المروحية تستهدف ركبه و هذه حركة صهيونية تستهدف الشل الكامل و الدائم للرجل الغير قابل للعلاج  و لكنه تنبه لليزر على جسده فحرك رجله فدخلت في فخذه عدة طلقات هو و صاحبه ثم أغمي عليّه .. الغريب أنه يقسم أنه حينها لم يحس بألم الرصاص و هو يخترق جسده أبدا .. أبدا لم يحس .. أبداً

بدأت أتنقل بين المصابين .. أحدهم أدخل الدكتور يده في بطنه و إقتلع الرصاصة الذائبة من بين اللحم و الجريح في كامل وعيه من غير أي بنج .. ووجه يملؤه الألم و القوة في آن واحد .. الكل يحاول مساندة الآخر و الكل يطلب من الدكتور معالجة الآخرين قبله .. و الغريب أن سكونا و هدوءا لا زال يلفنا جميعا .. المسيحي منا و المسلم و اليهودي و الملحد و الرجل و المرأة و المصاب و الجريح و أهل الشهداء و أصدقائهم .. لم أسمع صرخة واحدة طوال الوقت .. لا أرى توتر أو أعصاب مستفزة بل بالعكس .. سكينة غريبة و منطقيا مستحيلة .. ولكن  هذه السكينة لا تتنزل  إلا من عند  الله ..

وضعت رأسي على كتف صديقتي البلجيكية و هي تحاول شرح ما حصل على سطع السفينة بالفرنسي لأصحابها لأنها كانت هناك طوال الوقت  .. إنتظرتها حتى إنتهت و طلبت منها شرحا بالإنجليزية .. طوال هذا الوقت لا زالت نداءات الإستغاثة تتردد و لا زال الصهاينة يطلقون النار و يستخدمون العنف و لا زال الجرحي ينقلون لنا إلى أن إمتلئت المقصورة فبدئنا بالنقل  للمقصورة الثانية ..

و بدأت صديقتي البلجيكية بشرح ما حدث لي بالتفصيل .. و أنا أفكر .. كيف سيكون موقفي لو أنني رأيت من أحب يهان !  أو يذل !! ثم يقتل !!! طوال حياتي أرفض الظلم .. كيف سأستسيغ رؤية من ظلمونا بإغتصاب أنفاسنا و حياتنا !!! قتل ذبح مجازر .. لم أكن أتخيل في حياتي أنني سأجابه هذا المعنى من الظلم في يوم ما وجه لوجه .. الان أريد أن أرى تلك الوجوه الظالمة الطاغية السوداء .. ماذا سأقول لهم !؟ هل يكفيني رصاصة تخترقهم  لأرجع روح الشهيد التركي .. لأرجع الزوج إلى صديقتي التركية  ولأرجع الأب لأبناءه .. أتأمل في الدم و وجوه الجرحى و أرى الأطباء يعملون بجد و الفتيات يضمدن و يربطن المرضى و أغلق عيني بكل قوة .. هل أنا في حلم .. ثم أدعس جسدي النحيل بقوة بحضن صديقتي البلجيكية .. فتحس بي و تضمني في حضنها بحنان اثوان .. لا لست ضعيفة رفعت رأسي و إبتسمت فإبتسمت هي لي إبتسامة قرأت في طياتها معنى .. نعم لنقاوم  ..

و هذا ما سأرويه لكم على رصيفي القادم ..

إستلمت هذه الرسالة قبل يومين من الحادثة و الواقع إنني كنت أقرأها عندما بدأت إنذارات الخطر .. لم أستطع أن أفكر كما فكر صاحب الرسالة لكنه كلماته إستخدمتها لتلقين الصهاينة دروس و عبر و نشرتها بين الجموع ليستفيد الكل .. لم يكن معنا على السفينة لكنه أبى إلا أن يكون قائدنا في النضال .. و أحببت أن أشاركم  بها قبل البدء بالأحداث

رسالة الغريق إلى أخته المبحرة إلى الأرض المحررة
أختي هيا
مثلجة الصدر ومهيجة الدموع
فخور بك أمس، فخور بك أكثر اليوم
هذه رسالة متواضعة لك

اعلمي أن الذهاب لغزة المحررة بالبحر يعني أنكم ستواجهوا الصهاينة مباشرة وليس وكلائهم المعتمدين (مثل ح م)

وهذا معناه أنك – على الأغلب – سترين العدو رأي العين

ومن واجبي أن أكون صريحاً معك : من المحتمل أيضاً أن يتم اعتقالكم لفترة
فضعي في جعبتك هذه النقاط الأساسية : ء

1- معنوياتكم العالية ستغرق كل كيد
احرصي على رفع معنويات الجميع وبث رسائل قوية فيهم تفيد بأنه لا شيء يقف في وجه ارادتهم لو تمسكوا بالحق
إياكم والإحباط، مهما طال مكوثكم على حدود غزة البحرية

2- علاقتنا مع العدو هي علاقة حرب فقط
ومعنى ذلك أنه لو لا سمح الله تم اعتقالكم سيصبح من الواجب عليكم ان تتعاملوا بشكل موحد ضد العدو
فلا تصافحوه ولا تبتسموا له
حتى لو كان طيباً معكم أو أخوياً في تعامله
إذا مد أحدهم يده لا ترونها دون ان تروا الدماء البريئة التي تقطر من ذات اليد
لو استطعتم ان تكونوا يداً واحدة في صلابتكم ضد العدو وفي احتجاجكم عليه ستضربوا مثلاً رائعاً لنا جميعاً
وستصفعوا وجه كل مطبع نذل خسيس

3- الصبر
لا شيء يدوم، إياكم أن تملوا بسبب يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين
إخواننا في غزة مصابرون منذ أكثر من 1000 يوم !! وفلسطين محتلة منذ أكثر من 62 عام
لا ملل ولا كلل ولا شيء سوى الصبر

4- التحصن
تحصنوا بالله ليل نهار
سأرسل لك بعض الأوراد القوية في الحماية وقد ارسلها لك بصوتي فيتسنى لك إنزالها على الجوال لتردديها متى ما شئت
ووصي كل من تعرفين ان يدعي للقافلة وما فيها ومن فيها بالحراسة والتوفيق في اتمام المهمة

5- شبكة العلاقات
من المهم جداً أن تستغلي شبكة علاقاتك أنت ومن معكم في حال أي طاريء
جهزي قائمة بكل شخص له تأثير يمكن التواصل معه خصوصاً من الحكومة
انا ارشح ان تتواصلوا مع اعضاء في البرلمان وكل كاتب عمودي تعرفونه
مهم جداً يا هيا
اسرائيل تخجل من الضغط الدولي

6- لا تنسي أن كل هذه الرحلة ستصبح يوماً ما ذكريات
ويجهودكم يمكنها أن تصبح قصة مليئة بالعبر التي تبني الأمة

7- التوثيق
وثقوا كل شيء بالكاميرات
من المهم جدا ان تستعملوا عدة كاميرات وعدة زوايا وان يكون هناك بعض الكاميرات المخبأة
وثقوا أيضاً بالكتابة وبالتواصل مع الاعلام

8- لا تنسينا من صالح دعاك
9- كوني على تواصل دائماً معي وإلا …. ء
10 – استمتعي بنظر الله إليك ومراقبته لك
كأنك ترينه ……………. ء

الأحد ٣٠ مايو ٢٠١٠ مساءاً

30051_387800187214_663947214_4161162_4572691_n 

لا يزال قلبي بين ضلوعي يرتجف كلما تذكرت دعاء الشهادة .. صداها يتردد في داخلي .. أنا جبانه .. لم لا أتمناها .. هل أريد أن أعود سالمه فحسب بعد أداء مهمة إنسانيه في قلب الأمه المحمديه .. هل هذا قمة التضحيه في قاموسي .. أهذه تضحية المحب الحقيقي .. دار نقاش قاسي بيني و بين ذاتي .. أريد أن أحيا .. لكنني أريد الجنه .. لا ليس الان .. للاسف ليس انت من يحدد موعد و طريقة الرحيل يا هيا ..  ممم أعتقد أن لدي مهمة على هذه الأرض يجب أن أؤديها قبل الرحيل .. أيامك معدوده يا هيا .. سأعد فيها العده لاكون خير خليفة.. السؤال هل أنت حقيقة خليفة الله في الأرض .. لست كفؤا لهذه المرتبه العليا .. لكن لا مانع من طلبها عسى أن يبلغني برغبتي بها الله الأجر الكامل .. اه يا الله سبحانك يا كريم .. سأعيش يا الله لأجلك .. سأعيش بإذنك يا رب .. فلا تكلني لنفسي طرفة عين .. فأنا ضعيفة .. جدا ضعيفة ..  و مخطئة .. عفوك سينقذني يا عفو .. و إن أكن محبه  فكرمك سيغمرني يا كريم ..  ففي يوم رحيل أختي نورة عن هذه الدنيا  رأيت رحماتك تحتضني يا رب و تصبرني .. كان الناس يرون ابتسامتي حينها و كان يظنون أني قويه .. لم يعلموا بهواني حينها لكنني علمت عزتك يا رب .. عزة العيش في ظل كرمك .. أحبك يا الله .. و ليس لي سواك ملاذا ..

الكرامه في حياتي هي شريانها الأساسي .. لذلك  ستجدني إنسان آخر إن حاولت التعدي أمامي على كرامة ديني أو وطني أو أحبابي أو ذاتي .. ففي هذه الأمور لا شفاعة لدي .. لذلك تجدني أذود عن كرامة أهل فلسطين كأنني منهم .. لأن هذه من كرامة ديني و هي عند الله وطن مبارك و أحبابي فيها و فيها يعيش بقاياي .. صوت شجي يقطع أفكاري .. الله أكبر الله أكبر .. آذان المغرب ينبأ بقدوم هذه الليله .. ليلتنا ..

يا ترى ماذا كنت تفعل أنت في ليلتنا هذه يا ترى؟؟

بدأ اللون الأزرق الغامق يلفنا .. أخذت نفسا عميقاً .. أوووه  لقد نسيت أن أحكي  لكم قصص الحلويات ..  فللحلويات وقع في سفينتنا أقوى من وقع الرصاص .. لأنه تذوب في القلب و تشعل فيه الحياة .. قصة حبيبي أحمد .. أحمد شاب لطيف تركي يعيش في قرية صغيرة جدا على أطراف تركيا .. هذا الشاب عمره 5 سنوات فقط .. في صباح يوم الجمعة إستيقظ على تجهيزات كبيرة في بيتهم الصغير المتواضع و سمع أبوه يقول لجاره أن وفد الإغاثة التركية سيأتي لجمع التبرعات من أجل غزة .. و أنهم سيتناولون الغداء في بيتهم .. فتح أحمد باب بيتهم خلسة و إستغل إنشغال أهله بدعوة الغداء و دار يطرق على كل بيوت الجيران و هو متحمس من بيت إلى بيت ثم إنتقل للحي المجاور و هكذا حتى حان وعد الغداء و وصل الضيوف لبيتهم .. و إذا بحبيبي أحمد يدخل عليهم بكل حماس و يتنفس الصعداء لأنه لقيهم .. و بيده كيس كبير من الحلوى قام بتجميعه من كل أصداقئه من أجل أطفال غزة .. فلأحمد الغالي كان يظن أن غاية ما يتمناه أترابه في غزة هي تلك الحلوى .. لتحلي أيامهم .. قد لا يعلم حمد أن مرورة اليتيم أصعب و أشد و قد لا يعي حبيبي أحمد أن الطفل الذي يرتجف خوفا لن تحسسه بالأمان قطعة حلوى ة قد لا يتبادر لذهنه أن هذه الحلوى لن تدفيء طفل يرتعش من الخوف .. مع ذلك كله .. مع صغر سنه .. قدم عمل لله .. و لن يضيعه الله حتى و لو كان الواقع أليما .. فالحلوى التي جلبها قدمها لنا حبيبي و قرة قلبي  أحمد و نحن في أنطاليا .. و كان بجانبي الشيخ رائد صلاح و عندما علمنا حكايته .. أغرقت أعيننا بالدموع .. و أخفاها الشيخ رائد صلاح في جيبه الأعلى .. عند قلبه .. قطعة حلوى تهز الشيخ رائد صلاح و كل رصاص جيش الإحتلال لم يهز به شعرة .. آه يا أحمد .. وسأخفي صورة الحلوى في عقلي .. حتى أعي أن بذل السبب يبطل العجب .. شكرا لك يا حبيبي أحمد شكرا لك يا مربي الأمة

 

31697_411637389960_661529960_4258860_5114362_n

هنا صدع نداء في السفينة .. أن هنالك إجتماعا أمنيا .. ماذا ؟!؟ تقسمت المجموعات على حسب اللغات بكل تناغم ما شاء الله و بدأ الجميع يتكلم بثقة و هدوء .. بداية الحديث أن مواجهتنا مع الصهاينة ستكون وشيكة .. ماذا؟؟ لكننا لا زلنا في المياه الدولية و على بعد أكثر من 170 ميل عن الحدود الفلسطينية لغزة الحرة .. صيغة الكلام العام كانت جدية .. أن السيناريوا الأسوأ قد يقع خلال أقل من 24 ساعة .. الرجاء من الجميع ضبط و ربط حاجياتهم و التأكد من أن كل شخص يحمل جوازه في جيبه .. و يستعد لإرتداء اللايف جاكيت البرتقالية الفاقعة .. كد تتساؤلون ماهو السيناريو الأسوأ .. هو أن يحاوط السفن الجيش الصهيوني على بعد 20 ميل من المياه الفلسطينية ” و هذا أقصى ما يسمح به دوليا كإختراق للمياه العالمية” و يحاولون يحب السفن للمياه الصهيونية و من ثم الترحيل .. فلازال أمامنا وقت كبير لكن يجب التدرب على اللايف جاكيت و يجب تدبير كل الأمور قبل النوم لأن المواجهة قد تكون غدا ظهرا .. و طبعا من المستبعد أن يخرق الصهاينة أكثر من ال 20 ميل من المياه العالمية لأن في هذه الحالة و في المياه الدولية  القانون الدولي سيعاملها كحالة حرب و من ثم لكل سفينة رخصة مستخرجة من دولة “علم السفينة” و لكل هذه الدول حق شرعي بإرسال جيش كامل للدفاع عن سفنها في حال تعرضت للمحاولة خطف أو قرصنة  .. و في حال تعرضت أي من هذه السفن لعنف عسكري أو سلاح فحكمها في القانون الدولي يسمى “إحــتــلال” .. لأن أرض السفينة التي كنا عليها مرمرة .. أرض تركية .. فهذا إحتلال لأراضي تركية .. الحمد لله قانونيا و دوليا نحن في مؤمن من تهور هؤلاء الصهاينة .. فقد يتجرأون علينا في مياههم  و لكن لا يقدرون في المياه الدولية ..

بعدما فض الإجتماع نزل إبن مساعد الكابتن الذي يبلغ من العمر سنة و نصف و إسمه محمد الفاتح و جلسنا نداعبه و معنا البابا كابوتشي مطران الفاتيكان فكان المنظر المؤثر أن تجد حلم غزة في عين المسيحي الكهل و تراه ينعكس في عين ذلك الطفل المسلم .. اه يا غزة كيف وحدتينا .. آه يا فلسطين كيف جمعتينا .. و الطفل محمد الفاتح يذكرني بمحمد الفاتح ذاك الشاب الذي قرر فتح القسطنطنية و هم في 18 من عمره و فتحها و هو 21 ربيعا .. ألا يوجد محمد الفاتح جديد بين شبابنا .. و إن لم نجد بينهم كان لزاما علينا أن نجده بين شاباتنا ..

نزلت من الطابق الرابع إلى سرداب السفينة لألملم حاجياتي المبعثرة آه لا أحب هذه اللحظات .. دائما أحس أن هنالك أشياء أولى من أن أكون مرتبة يا رب ليس لدي وقت لأرتبها لدي آكشن على سطح السفينة أود اللحاق به  .. للفوضى المرتبة  طعم مميز في حياتي زز المهم  وصلت لمكاتي .. فتحتت حقيبتي و إذا بها سبحااااااان الله  مرتبة .. كيف ؟؟ .. شككت في نفسي .. أنا إنسانة فينا من الفوضى الحالمة  ما لا يتحمل أن تكون حقيبتب مرتبة بهذا الشكل .. رجعت لأتأكد نعم هذه حقيبتي و هذه حاجياتي .. ما الأمر ؟؟ هنا طلت علي خالتي نجوى الكويتية من بين وريقات مصحفها التي تقرأ فيه و هي تبتسم .. هيا حبيـتيي لم أتحمل أن أرى حقيبتك بهذا الشكل فرتبتها لكي .. وااااو .  أحسست للحظات أني ولية .. أمزح طبعا .. لكنها كناية عن شدة الصدمة برحمات الله علي .. أغلقت الحقيبة .. قبلت رأس خالتي نجوى و رجعت لسطح السفينة و أنا أقفز فرحا على السلم ..

الكل يتناقل خبرا مهم … الان الساعة العاشرة مساءا .. أول إتصال من الجانب الصهيوني ..  

الجيش الصهيوني : من أنتم؟

الكابتن : سفينة مرمرة

الجيش الصهيوني : أين وجهتكم ؟

الكابتن : غزة

الجيش الصهيوني: غيروا وجهتكم

الكابتن : غزة و لا وجهة لنا غير غزة

هنا إنقطع الإتصال من الجانب الصهيوني

في هذه الأثناء كانت لدي مداخلة هاتفية مع قناة فور شباب .. و أنا أتحدث مهم .. فجأة سمعنا مروحيات صهيونية تحوم فوق السفينة ..

خلال ساعة .. تغيرت كل الأوضاع في البداية طلبوا من التجهز لمواجهة في الصباح الباكر .. وزعوا الفرق ووضعوا قائد لكل فريق .. إستدعوا كل الأطباء و الممرضين و الصيدلانيين على وجه السفينة .. و بدؤو إجتماع معهم .. في حالة دخل الصهاينة للسفينة و إستخدموا عنف جسدوا معنا يجب أن يتأهبوا لمواجهة الحالات .. المجموع كلهم لم يتعدى ال10 .. منهم جيري .. تأملت في وجهها الأسترالي با عن جد جد .. جيري 22 عاما أسلمت قبل سنتان و نصف و ماشاء الله حسن إسلامها .. جيري في بداية حملها .. كانت تدرس العلوم السياسية و أسلمت في الجامعة بواسطة زميلها الشيخ أحمد الذي يصغرها بعام كامل .. ثم بعدد أحداث غزة غيرت دراستها و حولت لدراسة التمريض من أجل أن تحقق حلمها بالذهاب لغزة .. لقد حسن إسلام هذه الفتاة لدرجة أنها تخجلني بكلامها عن الله و التوكل .. خصوصا عندما سألتها كيف ستكونين على السفينة و أنت حامل و نحن قد ننتظر في البحر شهر أو أكثر حتى ندخل غزة .. لم تهتم بالأسباب الدنيوية أمام الحاجة الملحة لكسر الحصار .. سبحان الله بعد شهور من تغيير تخصصها ها هي الان بيننا و حقق الله حلمها  برحلة لغزة .. اللهم ثبتها و إرزقنا ما رزقتها ..

31697_411637174960_661529960_4258831_6316737_n

هنا بدأت حركة دؤووب على متن السفينة .. الإعلاميين كلهم في حركة حامية .. الساعة 11 مساءا و الجميع ينقل مباشر بكل اللغات عربي إنجليزي أسباني إيطالي فرنسي تركي ماليزي أندونيسي .. لغات متداخلة تلتقط من بينها كلمات مثل غزة و إسرائيل و مرمرة و كابتن .. ذهبت لغرفة الصحافة لأطمن أهلي لكن الأوضاع مزحومة .. فكرت الأولوية لهم لما أزاحهم .. نزلت لقاع السفينة .. و أنا جالسة على الكرسي من التعب نمت لأنني منذ يومين لم أنم سوى ساعتين .. نمت و صوت المروحيات لا زال يرن بأذني .. نمت بأمان

 Page 1 of 2  1  2 »