1يونيو مساءاً إلى 2 يونيو فجراً 2010

 1(1)

خرجت من ذات البوابة التي دخلت منها .. غرفة شفافة كبيرة على اليمين هذه غرفة مدير السجن .. الدرزي الذي علّمنا إتجاه القبلة .. و على اليسار باب شفاف كبير بعده باب فولاذي .. فتشونا و فتشونا و مارسوا هوايتهم بالعد .. واخد إثنين ثلاثة .. ويعيدون العد .. ينادوننا بالأسماء عدة مرات .. أعتقد أنهم يريدون أن يتأكدوا إن كنّا نحفظ أسمائنا بشكل جيد .. عملية أثبتت لي غبائهم .. من أول رصاصة ضربوها في السفينة .. حتى هذه اللحظة لم أرى ما يسمونهم بالجيش .. مجموعة من الصبية اللقطاء من كل ألوان الأرض و لغاتها .. أحمر أخضر أصفر .. إنجليزي عربي أسباني هندي روسي كل شيء .. صدق من أطلق عليها .. الدولة اللقيطة ..

أخاف أن ألتفت خلفي و لا أجد سندس .. أعلم كم هذه الفتاة الصغيرة التي لم تتعدى ال22 ربيعاً .. أثبتت لهم أنها تعدت ال22 شتاءاً .. بعواصفه الباردة .. و ثلجه القارص .. ورياحه الصارخة .. دائماً هادئة و مبتسمة و مطمئة و تعرف ما تريد .. عبارتها الدائمة

i will sue you أي سأحاكمك ..

نطق العسكري إسم سندس .. فسمعت صوتها الحزين يرد .. الحمدلله .. لقد قررت العودة معنا ..

 

أركبونا الحافلة .. و هي حافلة ركاب عادية .. مغطيين كل نوافذها بغطاء أبيض حتى لا نرى شيئاً .. أو حتى نرى حفلة الشباب و الصبايا المجندين معنا .. بالله لو كنّا حقاً إرهابيين كما يدعون لجلبوا لنا عتاة جنودهم .. لكن يعلمون أننا مجموعة من ناشطّين السلام .. دخلت الحافلة جلست لوحدي في آخر مكان سمحوا  لنا الجلوس فيه .. كان خلفي مباشرة المجندّين .. شعور مؤلم أن هؤلاء المجندين الذين لا تتجاوز أعمارهم 17 عاماً يحملون الأسلحة عن يمينهم و عن شمالهم وفوق بطونهم و على صدورهم و بأرجلهم و بأيدييهم .. شاب يتربى كذلك .. ويجب أن ينزل بالميدان .. أي أن مجندييهم يجب عليهم خوض حرب أو قتال .. كيف ستكون أخلاقه .. شابة كذلك كيف ستكون أُماً .. كيف ستحن كيف ستعطف كيف ستحب !!!

أغلقت عيني الساعة السادسة مساءا  لكن إزعاجهم و أحاديثهم الصاخبة المراهقة أرهقتني .. ألتفت أريد أن  أسكتهم .. فأجد مجّند يضع أغراضه على الكرسي الذي بجانبي .. خلع رشاشه .. ماهي إلا دقائق معدودة خلع بعض الأسلحة الأخيرة .. ثم عاد لأصحابه المراهقين في مؤخرة الحافلة .. كل أسلحته العسكرية على بعد سنتيمترات مني .. بعد ربع ساعة خلع سترته الواقية للرصاص  و رماها جنبي أيضاً .. ضحكت

قلت : you are not scared from us .. i have >

فرد : حاكيني عربي أنا ما بعرف إنجليزي

قلت : هل أنت عربي؟!؟

فرد: نعم أنا سوري من الجولان

قلت : و ماذا تفعل هنا !!!

فرد : أخدم بالجيش

قلت : يا الله ألم تجد جيشاً تخدمه سوى الجيش الصهيوني .. أنت مسيحي !!

فرد : لا أنا مسلم .. “ثم بدأ بتسميع سورة الأخلاص لي و آيات أخرى “

على وجهي إرتسمت جميع ألوان الذهول و براكين الأسئلة .. وكان ينازعني شعوريين هل أسئله عن تفاصيل حياته الغريبة ؟ أم أستغل الفرصة لأشرح له ماذا حدث معنا في أسطول الحرية لعله يقنع قيقنع غيره من المجندين!!!

مع ذهولي دار النقاش بيني و بينه من غير تخطيط  بدأ هو بتسميع آيات من القرآن ثم إكتشفت أنه درزي من الجولان وبدأ يحكي لي عن عيد الأرض و أن هذا اليوم الوحيد الذي يسمحون لعدد محدد من الدروز الذين يعيشون في الكيان الصهيوني بزيارة أرضهم ورؤية أهلهم بعدة شروط أحدهم أن يكون بعمر كبير  .. وهم لم تسنح له هذه الفرصة .. وكيف أنه لم يرى في حياته غير الكيان الصهيوني و أنه لا يتقن غير العربية و العبرية .. وفي غمرة حماسي بالنقاش معه و الأسئلة..صعد الضابط المسؤول وصرخ علينا .. ثم طلب منه أن لا يحدثني أبداً .. فعاد للمقاعد الخلفية في الحافلة مع شلة المراهقيين المجنديين البروفيشنال الذين لم تتعدى أغمارهم 18 سنة وقد أحضروهم لحماية الكيان الصهيوني من الإرهابيين الخطيريين و أولهم أنا .. يعي الإنسان أنهم يعون أننا مسالمين من وضعنا تحت يد هذه الحراسة المراهقة  لكنهم قوماً يفترون ..

الساعة تشير إلى الثامنة مساءاً .. عائشة الجزائرية لم تدخل الباص بعد أظنها في سجن إنفرادي .. نسأل عنها ولا يردون .. كنت أحاول إختلاس النظر من النافذة لعلي أرى قبساً من طهارة يُطمئن قلبي .. لكنها وجوه صهيونية مغمسة بالحقاارّة .. لاحظني الضابط صرخ عليّ .. فأغلقت غطاء النافذة .. نزّل الضابط من الحافلة فإلتفت على وائل و طلبت منه أن يجلب لي وردة رأيتها من النافذة .. كان يحدثني من وراء ظهر الكرسي .. أخذ يضحك .. قلت له أني جادة .. قالي حَسناً و تركني و عاد لشلة المجندين المراهقين .. عدت أسترق النظر من النافذة لم يكن بي رغبة أن أتحدث مع أحد الآن .. عقليّ لم يستوعب ما الذي حدث حتى الآن .. أحس أنني أقف على خشبة مسرح متهالك .. الديكورمن عظام  البشر .. الصوت من بشر .. الاصباغ من دم البشر .. النص منقوش بأصابع البشر .. شعور مقفر .. للتو بدأت أستعيد بعض الذكريات و أعيد روايتها على نفسي ثم أستوعب جزء منها .. فجأة يطل ذلك الوجه الرقيق .. ها هي عائشة و أسمع صوت التكبيرات و شفتي تتتم الحمدلله .. حدثتنا أنهم سجنوها بسجن إنفرادي و الزنزانة التي بجانبها كان فيها مساعد كابتن السفينة و إبنه ذو العام و النصف و زوجته .. سألتها الم تتوحشي .. فرردت: ظننت أنكم جميعكم بنفس الحال فلم أبالي ..عدت للنظر من النافذة و إذا بي أرى شباب الكويت و العرب متجهين نحونا لم أتمالك نفسي فقلت لسندس أنني رأيت أباها .. رأتني المجنّدة و صرخت عليّ بصوتها الجهوري close it.. ماهي إلا ثوانٍ معدودة و دخل علينا بعضهم و الآخرين كانوا في الباص الآخر .. حمدت الله أكثر و الله أكبر ..

حوالي التاسعة أحسست بيد تمتد بين الكرسين .. وإذا هو وائل أحضر لي مجموعة من الورد .. فرحت بها كثيرا .. ذكرى من فلسطين المحتلة ..  تقاسمناها أنا و منى ششتر الصحفية الكويتية التي كانت في الكرسي الذي أمامي .. أصبح المكان مزدحما في الخلف فإقترب وائل مني وبدأ الحديث و عينيه معلقة على مدخل الباص خوفاً من الضابط ..

هيا : ألم تتفحص وجوهنا .. ألم تستوعب اننا بريؤون من ما أدعوه علينا ..

وائل : ليست المرة الأولى التي أراكم فيها ..  كنت أتابعكم طوال الوقت منذ يوم الجمعة ..

هيا : تتابعنا ؟! أين ؟!

وائل : في كل مراكز الجيش و الشرطة يوجد نقل حيّ للسفينة .. كان الوضع مُستنفراً داخل قواعدنا .. منذ يوم الجمعة حتى لحظة الهجوم عليكم

هيا : ماشاءالله الجيش و الشرطة أيضاً .. أي رأيتنا و نحن نأكل و نلعب و نصلي نمارس حياتنا طبيعية .. رأيت فينا الشيوخ و العجائز و الطفل .. ولا زلت تشك أننا إرهابيين حتى حين دخولك إلى هذه الحافلة ..

وائل : وسائل الأخبارالعبرية  نقلت  لنا ذلك ..

 هيا :  لكنك تتقن العربية .. لم لا تتابع الجزيرة أو أي قناة عربية  أخرى ..فلمَ العبرية ؟

أشار خلفه على أصحابه شلة المجندين قائلا : هذا دانيال من يهود اليمن و من مواليد هذه الأرض لم يرى أهله في حياته و لا يتقن غير العبرية ، و الآخر من روسيا يتقن العبرية و الروسية و الآخر من الجولان ايضا لكن عربيته ركيكة جداً .. و الآخر من أوربا يتقن الإنجليزية والعبرية .. فشيء طبيعي أن تكون لغتنا المشتركة هي اللغة الوحيدة التي نتشارك فيها الخبر .. فأصبح الجميع لا يتابع سوى القنوات العبرية ..

وهو يتحدث آه يا أبناء الدولة اللقيطة ..  نعم هم مجموعة من اللقطاء وعّدوهم بالسراب ووحّدوا لهم الكون أجمع كعدو .. جمعوهم على أرضنا بطردنا و بنوا بيوتهم فوق أشلائنا و طلبوا أمانهم بخوفنا وفرغبوا سوء أخلاقهم بمقدساتنا .. لقطاء من كل الأرض يعيشون في أرض واحدة بلا ماضي مشترك و لا خلفيات مشتركة و بلغات و ثقافات متباينة و مع ذلك يعملون .. و نحن الذين نحمل كل ما هو مشترك بين أيدينا و في عقولنا وكل ما هو مبارك في قلوبنا .. أقسمنا أن نتفرق ..

هيا : “بسخرية” إذن كل الكيان الصهيوني مستمع بدمائنا التي سالت على الأسطول !! لأنه يجعل هؤلاء اللقطاء يعيشون بأمان

وائل: لا .. أبدا لا .. الشعب منقسم لقسمين قسم يظن أن يجب ضرب أسطول الحرية للمحافضة على هيبة دولة اليهود العظمى و هؤلاء القسم إرتفع صراخهم و إحتاججهم بعد الإعلان عن الإفراج عنكم دون عقاب و دون محاكمة .. وهم يرون أن هيبة الدولة ضرب بسيف قطعها تقطيعا و القسم الآخر كانوا يعون أنكم ناشطين سلام فلم يريدوا ضرب السفينة حتى لا تتوسخ سمعتنا بالخارج .. ولكننا ضربنا السفينة فعلت إحتجاجاتهم .. و حصل أسوأ مما تخيلوا .. و هم الآن غاضبين و يلومون الحكومة بشدة ..

هو يتحدث و أنا أحس بماء كالسلسبيل يجري في عروقي من الفرح .. و الله إن كان هذا الإنجاز الوحيد لكفانا .. أن تُألب شعبا بأكمله تفرقه و تقسمه و توّتره و تّستنفر جيشه وتشوه صورته أمام الكون .. هذا هو  النصر .. أن نكون نحن بأجسادنا فقط خطوة تهجم رُعبا على الإحتلال تهزه و تهز إستقرار شعبه .. نصرٌ لم نحلم به ..نصر رفعته دماء الشهداء ..  نصرٌ كبداية  يكفيناااااااا

فجأة سكت وائل .. فالضابط دخل .. ليعدنا للمرة المليون .. الحمد لله أنني سمعت منه الأهم .. و سأحاول المزيد .. لازلنا في الحافلة الساعة عدت منتصف الليل .. أكثر من ستة ساعات إنتظار لم نصلي فيها .. والضابط متواجد فلا نستطيع التحدث .. والمجنديين و المجندات في العسل يتغازلون بطريقة رخيصة جداً ويضحكون .. أهذه الكرامة التي أعطاكم إياها الكيان الصهيوني .. ألهذا تجمعتم هنا .. اأنتم من تستحقون أسطورة الهيكل المزعوم .. بئس الشعب الذي هذا جيشه ..

الساعة الواحدة و النصف بعد منتصف الليل .. تحركّت الحافلة .. و تحركّ قلبي معها .. تجاه ماذا لا اعلم ! فلست أحس بفرح لأني غادرت السجن .. فقد تركت احباباً قلبي مُعلق بهم .. و عقلي يفّكر بهم .. أظنني لا زلت في حالة ذهول .. و حتى مشاعري مذهولة .. لا تعرف بما تحس ..

 isreali boarder bus dark

 

ساعات و نحن نسير .. قاربت الساعة على الرابعة و النصف فجراً وصلنا الحدود الأردنية الصهيونية .. مع ان الطريق لا يستغرق أكثر من ساعة لكنهم يحاولون تاخيرنا قدر المستطاع .. الحافلة توقفت .. أمامنا طاولة طويلة عليها خمسة ضباط و يقف خلفهم جندي يحمل كامرته .. ينزل كل واحد منا .. يتأكدون من إسمه و يسلمونه جوازه ثم يركب حافلة أردنية على الجهة المقابلة .. نزل الجميع و ظللت انا و أحدى الأخوات المنتقبات جاء لي السفير و قد وعدنا بالسابق أن يعطينا حاجياتنا عند الحدود .. طلبت حاجياتي فقال لي أعطيكِ إياها لاحقاً .. قلت له لقد وعدتني هنا .. فقال أنت تعطليننا و يجب أن نتحرك .. قلت أريد حاجياتي .. فقال وعد سآخذها من المستودع بنفسي وسأرسلها لكِ لاحقاً .. نزلت الأخت المنتفبة وطلبت من الجندي إغلاق كامرته و عدم تصويرها و أنا كذلك طلبت ذات الطلب ..  و طلبوا كشف وجهها لمعاينته فرفضت .. فأخذتها ضابطة صهيونية لتطابق وجهها مع صورة الجواز على جنب .. و أنا أنتظر دوري عند باب الحافلة .. ثم سارت بنقابها امام الضباط الخمسة فأصروا ملوك الحقّارة على أن تخلع نقابها مرة أخرى .. فخلعت النقاب لثواني ثم أرجعته .. في هذه الأثناء لمجت الجنديّ الذي يقف خلفهم و الذي طلبنا منه عدم التصوير يصورها فقط كانت لدي نفس كامرته و التي تظهر ضوئاً ضئيلا عند إلتقاط الصورة .. صرخت من على باب الحافلة .. يا خداعيين .. أعطوني الكاميرا .. ألا تستحون .. حتى في وداعنا تريدون زرع الحقد في قلوبنا .. ألم يكفي ان ايادييكم مدنسة .. تباً لإسرائيل تباً لإسرائيل ..

 والله علامات الخوف والإرتباك على وجوههم و بالطبع رفضوا تسليمي الكاميرا و عاد السفير ليسألني ما الذي يحدث قلت له : أصحابك و أنت أعلم بهم .. ألم نطلب عدم التصوير .. صورونا بحقارّة  لن أتحرك حتى تعطوني الكاميرا لأمسح الصورة .. ألم أقل لهم اننا لا نريد التصوير ..ثم لم يختلس الصورة هذا الحقير ..

هدئني ووعدني أنه بنفسه سيأخذ الكاميرا و يمسح الصورة .. رفضت .. فاعاد علي وعده و قسمه … ركبت الباص الأردني بعد أن أستلمت جوازي .. لأجده يركب سيارته و يعبر الحدود معنا بدون أن يمسح الصورة !! تندمت على أني صدقت  من يعمل تحت يد بني صهيون ..

ركبت الحافلة .. إرتفعت التكبيرات .. تحلركّت الحافلة وتحرك قلبي معها ..

أحسست بشوق جارف ..

بحنين يُذيبني ..

كأن هنالم من ينتزع جنيناً من بين أحشائي ..

من يخنق قلبي ..

آه روحي تحترق ..

أعتذر لكِ حبيبيتي ..

أعتذر إني حُمت بجسدي و روحي قريبا منك على بعد ساعة منك فقط ..

ولكني لم أصل ..

سلامي إليك ..

سلامي يتعذب بالحنين ..

jerusalem-101207

سلامٌ ..تحمله  الدموع .. و يطهره الخشوع .. وبه من قداستك سطوع .. لكِ مني السلام  .. يا قدُس وسامحيني فقد كان ذاته وداعا ..

لأحررك كما حررّت روحي من ذلك الجسد ..

لكنه وداع  يحرق .. لأعود بشوق ..

 

 

1 يونيو 2010 ظهراً

jail

بعض الربكة تسود الأجواء داخل ممرات السجن .. سجن بئر السبع أو  Beer Sheva >>كما يسمونه بنو صهيون .. الكثير من الحرس و الضباط و ممثلي الداخلية داخل المكان .. المضحك و الجميل أنهم جلبوا لنا دكتورة نفسية “صهيونية” طبعاً أي معتوه سيعي أنها ضابطة بالجيش أيضاً مثلهم .. أي يداوننا بالتي هي الداء .. لا نريد أن نرى المزيد من صهاينتكم الغثيثيين و سنكون بخير هذا دوائنا .. يا للي ما بتتسموش .. ولا بتنبلعوش ..

 

الآن فُتح الستار عن مشهد جديد .. فراس  .. ذاك الشاب اللطيف المؤدب الفلسطيني الملامح .. وجهه Baby Face كما يقولون .. يرتدي ملابس الشرطة الصهيونية .. تقدم نحوي .. إقترب مني و أنا جالسة على الطاولة .. إنحنى ثم

 

قال : أنا مثلك مظلوم .. أنا فلسطيني (وأشار على بطاقته التي تعتلي قميصه الأزرق ومكتوب عليها بالعبري إسم طبعا لا أستطيع قرائته).. لكن أعيش هنا  رزق عيشي هنا .. سأساعدك لكن لا تقولي لأحد إن علموا بي سيطردوني .. ماذا تريدين .. ماء؟

هيا : “تفاعلت معه” ولكني لا أستطيع قراءة إسمك أخي .. فهو بالعبري

فراس : ثقي بي ..

هيا : ممم إذا إحتجت شيئاً .. سأطلبه منك ..

فراس : هل إنتهيتي من تعبئة بياناتك ؟

هيا : لا .. يريدون مني أن أبصم ! و أنا لا أريد !

فراس : لن يخرجوك من السجن .. إنتبهي هؤلاء لا يعرفون الرحمة ..

هيا : و أنا لا أعرف إلا رحمة الله .. لا أريد رحمتهم ..

فراس : نصيحتي لكِ كأخ ..

هيا : شكراً أخي ..

 

prison food_aspx

ذهب فراس  يدور على بقية الطاولات .. يكلم العرب مننا .. ملامحه بريئة جداً ووجهه طفوليّ .. يقنّعهم بتوقيع الأوراق و أن يبصموا و يقول لكل واحدة نفس الكلام .. أحضروا الطعام بالمطبخ .. نحن من يغسل الصحون و يغرف الأكل و ينظف المطبخ أيضاً .. البعض أخذ قوته من الطعام .. و منهم زوجة الشهيد .. نظرت إليها .. كنت أشعر بجوع شديد لأكثر من يوم كامل لم آكل شيئاً .. لكني لم أكن أتقبل فكرة وضع طعام صهيوني في فمي .. أنا منذ أكثر من 10 سنوات أقاطع الشركات التي تدعمهم و أتجنبها قدر الإمكان و إن أكلت منهت أحس بالقرف .. كيف اآن .. طعام صهيوني خالص أو كما يسمونه هم “كوشر” أي مثل الـ ”حلال” عند المسلمين .. الطعام كان عبارة عن بيضة مسلوقة .. خمص “أي حمص” معلب .. بطاطا مسلوقة و خيارة .. كان الوضع غير مشجع .. كن أحتاج للقيمات يقمن صلبي .. أكلت قليلاً جدا .. أخذت صحني للمطبخ و غسلته وأنا أتأمل الوجوه حولي .. الحمدلله لا زالت الأرواح هادئة و مستقرة .. و كيف لا و زوجة الشهيد من بعيد تبتسم لنا .. صحيح أن إبتسامتها كانت متألمة .. لكنها ذاتها إبتسامة الرضا .. بعد أن أستشهد زوجها و لا تعلم أين جثته و ضغطوا الصهاينة عليها نفسياً أكثر من مرة .. و لا تعلم هل ستعود أم لا!! و إن عادت كيف ستواجه أبنائها!! ..   أظنها أقوى عبادة قلبية في هذه اللحظة .. هي عبادة الرضا .. و الرضا لا يأتي إلا بعد اليقين بحكمة الله وقدرته و عدله..

طلبوا منا الدخول داخل الزنزانات .. صرخت طالبة الهاتف .. رفضوا و قالوا هواتفنا معطلة .. صرخت فيهم كيف هي معطلة و هذا السجن جديد .. قالوا لأننا لم نركبها حتى الآن .. كذب .. كذابيين .. منقعين بالكذب ..

دخلنا الزنزانات .. بعد فترة وجيزة و الوقت عصراً .. بدؤوا بالنداء على السفارات .. السفارة البلجيكية أول الواصلين .. السفارة الأسبانية .. السفارة اليونانية .. الأسترالية .. الكندية .. التركية .. بدؤوا بالتوافد .. وبدأت الأخبار التي ترفع النفسيات .. بعض تلك السفارات كان مؤيد لنا و كان حريصاً على مساعدتنا ..  ثم جاءت السفارة الأمريكية على إستخياء “أي إستحياء” ..  طلبت مقابلتهم .. فأخرجوني من الزنزانة .. الغريب والمثير للعجب أن عندهم قائمة جاهزة بكل التفاصيل .. و إسمي يلمع فيها مع إن أهلي لم يسمحوا لي بصعود السفينة إلا قبلها بساعات .. فكيف يتوسط إسمي قائمتهم بكل شجاعة .. يا الله ما أخبثهم .. طبعاً شدّت عليّ بتوقيع ورقة الترحيل و أن أبصم .. رفضت أن أبصم .. و أمسكت بورقة الترحيل .. قمت بشطب كلمات و إستبدالها بأخرى كما أراه مناسباً .. مثلاً

إسرائيل : فلسطين المحتلة

دخول البلاد بطريقة غير شرعية : قرصنة سفينتنا بواسطة جيش الصهاينة و إختطافنا

وقعت الورقة التي إستبدلت كيانها و معالمها و أمام الكاونسليت الأمريكية سلمتها كي أوثق تسليمي للورقة .. ثم طلبت منها تطمين عائلتي .. أعطيتها أرقام عائلتي .. ووعدتني و أقسمت لي أنها لن تخرج من مبنى المعتقل إلا و قد طمنتهم ..ولو أنهم يسمحوا لها بجلب هاتفها الجوال لأعطته لي ..وعدتني و أقسمت هي و مساعدها عدة مرات ..  لكن بما أن حبيب الكذاب أكذب .. فقد كذبت ولم تتصل و لم تقم بشيء .. كان مجيئها حتى تكمل تقريرها عنّا وترفعه لباشوات  الويكيليكس ..

عاد فراس .. و ليته لم يعود .. أصبح يلاحقني .. هيا سيفرجون عنكم الليلة .. أنا أريد مصلحتك .. يجب أن تبصمي .. و إلا سيحيلونك للتحقيق .. تركته و أصبح يزن و يسأل من حولي أمامي .. أنظري لهم الجميع قد بصم .. بعد ساعة تقريباً .. حوالي الساعة الخامسة مساءاً ..و للإسف الشديد  بصمت .. وحزنت بعدها بشدة عندما علّمت أن سندس العبالجادر صديقتي الكويتية لم تبصم !! رأيت فراس  معهم كيف يتحدث .. وكيف يوجهونه فتيقنت أنه صهيوني ألبساه ملامح الطفولة كي يخدعوننا .. بئس من يصدقكم يا بني صهيون .. و بئس من يرافقكم .. و بئس من يرضا أن  يجاوركم ..

 

لا زلنا في المكان الكبير في منتصف المعتقل الرمادي .. أصبح الجو مشحوناً الكل خارج الزنزانات .. يتحدث عن الأخبار التي وصات عبر السفارات .. كنت سعيدة أن الكثير من السفارات الأوربية و الأجنبية كانوا إيجابيين …طبعاً إلا السفارة الأمريكية و البريطانية كانت الأسوأ على الإطلاق .. لا قلب و لا رحمة .. ولا عـــدل .. ودولة الظلم .. لن تنجوا ..

  

عدنا لطلب الهاتف .. و بعد ضغطنا عليهم ..  سمحوا لها بإستخدام الهاتف .. لكن طبعاً بالشروط لآتية :

1.التحدث باللغة الإنجليزية أو العبرية فقط > لأن هذه اللغات التي تتقنهم السجانة.

2.دقيقتين فقط و مكالمة واحدة > القوانيين الدولية تقول ثلاث دقائق و مكالمتين.

3. عدم ذكر أي شيء عن الإعتقال ، السجن ، الشهداء ، الإحتلال الصهيوني أو ما شابه.

4. في حالة التجاوز سيتم إغلاق الهاتف مباشرة > يد السجانة على زر الإغلاق طوال المكالمة.

5.المحاولة مرة واحدة .

وطبعاً لم يعطونا إياه إلا بعد أن تيقنوا أنهم سيخرجوننا .. وقفت بالدور فطلبت مني السجانة التقدم .. تريد أن ترتاح من مشاكستي الحقوقية .. رفضت .. تقدمت الكويتيات قبلي .. ولكن لم يحالف الحظ أي منهم في الحصول على رد .. فكّرت أكلم من حتى أضمن الرد .. كلمت أختي التي تدرس بالجامعة والتي لديها اليوم إمتحان نهائي >> دلال ..

هيا: ألو السلام عليكم دلال

دلال : وعليكم السلام هياااااا شلونج

هيا : alhamdo lelah am really fine in a good health >>> how is mom?

دلال : بخير أمي لا تحاتينها .. من أمس و هي تصّبر أهل المسجونيين معاكم .. ماشاء الله أمي قويّة  

هيا : ok please tell all the famililes that every body is fine

دلال : أتوقع بيطلعونكم قريب .. الكويت أرسلت طيارة لأخذكم ..

هيا : its not clear yet .. please say sallam to my mom and every body

هنا سحب أخي السماعة .. هيا شلونج ..! شخبارج؟

هيا : الحمدلله

أخي: أنا على التويتر و الفيس بوك هل حقيقي أنه كان معكم أسلحة ..

السجانة أغلقت سماعة الهاتف لأنها إنتهى الوقت بأقل من دقيقتين ..  بتحسر .. الثواني هنا تساوي الملايين .. .. آه .. على الأقل  الحمدلله طمنتهم

 

 

الساعة الخامسة و النصف .. بدأنا نسمع إشاعات .. أن كل الدول التي ليس لها سفارات في الكيان الصهيوني .. و هم الدول العربية و ماليزيا و ما إلى ذلك .. سيفرج عنها عن طرق الأردن و الدول الأجنبية عن طريق طائرة تركية من مطار تل أبيب .. لكن .. عائشة الجزائرية ليست هنا و لا نعلم ما مصيرها .. و الجرحى أكثر من أربعين جريح .. و جثث الشهداء .. آه .. رأسي يدور بقوة .. إتفقت مع الأخوات من الجزائر على أننا إن لم نراها (عائشة)  قبل الرحيل نرفض التحرك .. ثم توجهت للأجانب حاولت أن أنقل لهم بعض الأمور المهمة .. و حاجياتنا .. أربع هواتف نقالة معي و جهازي و  الكثير .. و المضحك أنني كنت قد إشتريت بعض الملابس الجديدة التي لم أرتديها بعد لأننا لم أتخيل أبداً ان يوافقوا أهلي على ركوب السفينة كان الأمر من سابع المستحيلات خصوصاص أني شرحت لهم خطورة الموضوع بالتفاصيل .. لكن سبحان الله كيف إن أراد شيئاً أعجزنا بتيسييره و تسخييره من باب عطاء  لا نتخيله.. سبحانه ..

السادسة مساءا .. الشمس لم تغب بعد .. وقفت السجّانة على مكان مرتفع .. بدأت تنادي أسمائنا .. نحن العرب .. طلبت منا أن خلال خمس دقائق أن نجلب حاجياتنا إستعداداً للرحيل .. تحدثنا مع الأجانب .. لأننا لم نود أن ننفصل عنهم .. لكن طلبوا منا الرحيل لأنهم لديهم سفارات داخل الكيان الصهيوني .. لكن نحن وضعنا أصعب .. خلال خمس دقائق لملمت حاججياتي من الزنزانة لبست ملابسي المتسخة .. رميت ملابس السجن الرمادية .. كان معي ظرف فيه 5 آلاف باوند إفتقدتهم .. سرقونا ..و السّجانة واقفة على مكان عالي تصرخ .. تطلب منا الرحيل ..

الجميع هناك إلا سندس .. يا الله .. أبحث عنها .. المكان مزدحم .. الكل يسلم و يودع الكتلة الإسلامية التي تودع السجن اللآن من ماليزيا إلى بلاد العرب .. السجّانة تصرخ .. و أظن سندسّ مختبئة .. لقد قالت لي من قبل إنها لن ترحل إلا إذا رحل الجميع .. لأن رفيقتها في الزنزانة آليكس قالت إنها لن ترحل إلا آخر واحدة من السجن .. دخلت بين الجميع .. أبحث عنها بعيني في كل مكان و أركض .. آه الحمدلله .. رأيتها من بعيد.. يملأ وجهها الدموع .. لأول مرة منذ ضرب السفينة .. أراها تبكي .. لم تبكي عندما مات الشهداء .. لم تبكي عندما رأت الجرحى .. لم تبكي عندما كبلونا .. لم تبكي و هي لا تعلم أين والدها منذ الضربة .. لم تبكي في التحقيق .. لم تبكي في السجن .. لكنها الآن بكت .. ركضت إليها سحبتها من يدها بقوة ..

هيا : سندس الكل ينتظرنا.

سندس : لا أريد الخروج

هيا : يجب أن تخرجي معنا

سندس : أريد أن أظل معهم .. لا أريد تركهم .. توقعت أن نظل وقتاً أطول . أنا غير مهيئة للخروج 

هيا : المفترض أن أباك سيكون معنا .. سندس لا أستطيع أن أتركك ..أظن ان قلبه يغلي عليك

طال الكلام و سندس مترددة قلبها يريد أن يبقى لكن عقلها يقول من الأفضل الرحيل .. ولم أجد طريقاً آخر للتعامل معها .. فقلت كلمة واحدة و خرجت .. ولا أعلم ما القادم !

 

ugly zionists 

  صرخات جمعتنا .. كم هو مؤلم أن يعاملونك كجرذ .. والمقرف أكثر أن السجّانات يكلمونا عبري .. و إنا نطقوا العربية .. أكره عربيتي من لفظهم طبعا الحاء تنقلب لخاء .. فصرختهم وااااخد واخد .. أكرهها كما لم أكره شيئا من قبل .. دخل الأغلب للزنزانات فوجدت أحدى أخواتنا الكويتيات “أم عمر” تمسح الأرض و فوق رأسها السّجانة “آللاة” التي تبين أن إسمها يعني “هلالة” تضع يدها على خصرها فأحسست أنها تهينها خصوصاً أنها إمرأة كبيرة و داعية لها وزنها في مجتمعنا .. و ذهبت لها بإبتسامة لأخذ الممسحة .. رفضت لكني أصريت أخذتها وبدأت أنظف ماء البواليع الراكد بهذا السجن الجديد ..الرائحة نتنه و الوجوه التي أمامي من صهيونيات أشد نتانه ..بينهم الروسية و الأفريقية و الأوروبية و اليمنية و لقطاء من جميع بقايا الأرض .. تجمعوا ليعيشوا في فلسطين .. تركوا لغتهم و مجتمعاتهم و أصحابهم ليصبحوا قتلة تحت التدريب أو مواطنيين يمتهنون التعذيب.. أكملت أمسح الأرض وماء البواليع لا زال يسيل ولا ينتهي و عيوني تتلصص للجانب آخر من السجن  أبحث عن سجينات فلسطينيات .. آه إن قابلت أحدهن سأكون أسعد من سعيدة لأن لأنهم سيشحون بطاريتي النفسية الثورية لمقاومة أعلى و سيزيدون كل جنوني المقدسي .. وقفت للحظات تذكرت أمي كانت تحب في ليالي الصيف أن نغسل حديقة منزلنا حتى يصبح الجو أبرد .. أماه أني أفعل الشيء ذاته لكن لست أنت من تقفين أمامي .. للأسف تلك الصغيرة الصهيونة “آلالة” لكن عزائي أنني أظن أنك ستكونين فخورة بي هنا و أنا سجينة أكثر من أي مكان آخر .. لأن الله يلفني بحفظه و رعايته .. إن كنت من الصادقيين.. و ما أصعب ان أكون منهم ..

 

   كنت آخر من يدخل الزنزانة بعد نقاش بالكلام .. إستغنت الصهيونية عن عملي  و بالطبع حاولت طلب هاتف .. للمرة المليون ..  فأخذتني من يدي تجاه الزنزانة .. لترتاح من لهيب طلباتي و أغلقت الباب الإلكنروني .. وإنقفل نهائياً لأجل غير مسمى .. دخلت الكل جالس في سريره الصحفية منى ششتر من الكويت و أم علي الإبراهيم و أم عمر .. أربع أسرة على اليمين كل إثنين فوق بعض و على اليسار حمام ببابه فتحه كبيرة في المنتصف .. ثم ورائه أربع خزانات صغيرة جدا ..

 

كانت الساعة تشير للعاشرة صباحاً .. فرأيت من النافذة الصغيرة .. الصغيرة الجزائرية عائشة يقتادونها .. يا الله للتو إنتهت من التحقيق .. أي قضت ما يقارب ال 12 ساعة فيه .. هذه الفتاة ذات ال21 ربيعاً التي كانت تصرخ في وجههم إما النصر أو الشهادة .. إقتادوها لسجن آخر قلقت عليها بشدة .. لكني كلما إستذكرت إيمانها و قوتها و عربيتها الفصحى التي لا تفارقها و لا تتكلم بغيرها .. إطمأنيت .. و إستشعرت موقف السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم في مكة و كانت صحراء (فقالت لسيدنا إبراهيم : الله أمرك بهذا .. فقال : نعم .. فقالت : إذن لا يضيعنا  ..) والله يا عائشة  لن يخذلك الله و أنت بكل ما يحتويه قلبك متوجهة إليه ..و لن يخذلك الله أحداً أبداً سار بإيمانه إليه ..

صعدت إلى سريري و ظللت منه أرقب المشهد بالخارج .. سيارات عسكرية .. نبات لم ينبت بعد .. جنود و جنديات .. ظللت أتقلب أفكر بأمي فقط .. بدأنا نتبادل الأحاديث .. أحدنا يترقب على النافذة و الأخر يطل من باب الزنزانة .. لا شيء واضح لدينا .. هل أهلنا يعلمون أننا أحياء .. آه هل كذب الصهاينة و صدقهم العالم وصفقت أمريكا لأنهم أنقذوا الحرية من أسطول الحرية .. ليس غريبا فلسنا سوى قليلا من المغامرين .. في زمن أصبحنا نخاف فيه على الخبزةو لو كان لدينا مخبز .. لكننا كما لم يتخيلوا أبدا مغامرين على مبدأ جديد ..مبدأ لن نتنازل عنه أبداً ..مبدأ أن القوة السلمية تنتزع الحرية ..

 1242686939israeli_prison_cell

ساعتين .. أفكر بعائشة قليلا .. بأهلي قليلا .. بأهل غزة قليلا .. وبمن حولي قليلاً .. لكني لا أستطيع التفكير بنفسي .. بدأت أتهيأ كما هو متوقع .. شهر في السجن كمتوسط .. لا أعتقد أكثر من ثلاثة شهور ولا أقل من إسبوع .. أسسرت لنفسي أي يا هيا الشطي .. لا يكلف الله نفساً إلا وُسعها .. و هذا وُسعي .. تنشطت .. نزلت من السرير نظفت الحمام ..

 

 فجأة أسمع باب القفل الإلكتروني ينفتح .. ركضت فتحت الباب و رأيت الكل يخرج .. بحثت عن أخواتي الجزائريات لابلغهن أنني وجدت عائشة .. تجمع الجميع .. وجائت فتاتان من الصليب الأحمر .. أحدهما سويسرية و الأخرى إيطالية .. تحدثت معهم و قلت لهم نحن نحتاج مندوبين السفارات و لم يسمحوا لنا بمكالمة حتى الآن .. كتبوا ملاحظاتي ثم غادروا للجانب الآخر من السجن ..

 

هنا سحبوا زوجة الشهيد .. أخذوها أمامنا .. رفضت تلك التركية النحيلة ذات الشعر الأحمر “غايي” أن تتركها لأن زوجة الشهيد لا تتقن غير التركية .. فبأي لغة سيتفاهمون معها .. لم يأبهوا سحبوها لوحدها .. ونظراتها تنادينا .. لكن لم نقدر على فعل شيء .. أخذوها لفرفة شفافة .. نراها لكن لا نستطيع أن نسمعها و هي لا ترانا .. وبدؤوا بالتعذييب النفسي .. أخرجوا لها صور جثث و أشلاء الشهداء كي تتعرف على جثة زوجة .. بدأت تبكي و تنتحب ثم تذبل في مكانها .. ثلاثة محققين و جندية معها .. وهي لا تعرف ماذا يقولون !!! كيف ستجيب !!!! من الواضح أنها كانت حرباً نفسية كي ننهار بعدما رؤوا نفسياتنا العالية .. ركضت لا شعورياً سحبت ممثلة الصليب الأحمر تحدثت معهم .. قالوا لها نحن إدارة السجن و هذه إدارة التحقيقات لا نستطيع التدخل بعملهم .. كلمت صهيوني آخر كان يأخذ البيانات .. رد عليها ببرود أنا وزارة الداخلية لا شأن لي بهم .. دمعت عيناها .. و ظللنا واجميين مذهوليين نراقب تلك المرأة و هي تجهش بالبكاء .. وقلوبنا تجهش بالدعاء لها .. صوت الصمت الدامس .. الكل غارق في ذلك المنظر الذي أمامه .. فإذا بها تخرج .. أخرجوا زوجة الشهيدة و كأن روحها خرجت قبل ذلك .. تنتحب .. وجهها تملؤه الدموع .. ورجليها لا تحملها .. أمسكناها .. أجلسناها على الكرسي .. و عادت الفرنسية لتصرخ .. آشت فلستين هرة أربية مسلمة .. و الكل يردد بحماس ما تقول ..

 و إذا برجلين يدخلان يتكلمان العربية .. ظننت أنهم من الجيش الصهيوني .. فلم ألتفت لهم .. وجلست مع نائبتان بالبرلمان الألماني و أمريكية و الفرنسية .. نتحدث .. و إذا بي أسمع لكنة مصرية .. إلتفت وجدت أم محمد الغزواية جالسة مع أم علي الكويتية و أماهم أرى ظهر أحد ذلك الرجليين .. أكلمت حديثي مع الأجانب ..  لكني سمعت أم محمد تبكي .. إلتفت لها ثم ذهبت لها .. فرأيته يؤخذ بياناتها و يتهمها أنها لم تحاول الدخول لغزة عن طريق مصر .. وأن حكومة مصر كانت ستسمح لها بالدخول بما أنها خرجت بإذن .. و هي تقول له : أنا حاولت .. أولادي بغزة لوحهم و البيت ما فيه كبير .. كيف ما أحاول لأجلهم .. سألت هذا المصري من أنت .. فأجابتني أم علي .. محمد موظف  من السفارة المصرية في إسرائيل .. كرهته من غير أن أعرفه .. كيف إرتضيت يا عربي يا مسلم هذه المهنة الدنيئة .. والله لأنك أوقح من هؤلاء الصهاينة و أنذل .. أمسكت بيدي أم محمد الغزاوية و أخذتها لزنزانتي .. ركض خلفنا و أراد التحدث لها .. صرخت في وجهه

هيا : كفى .. ألم يكفيكم ما سببتم من ألم لهذه الإنسانة على حدودكم .. تريد أن تمد ظلمكم إلى هنا ..

محمد : من أنت ؟ أنا لست أتحدث معك أنا أتحدث مع أم محمد 

هيا : أنت لا تتحدث معها أنت تؤذيها .. إبتعد

محمد : من أين أنتِ .. هل أنتي فلسطينية !

هيا : لا أنا كويتية .. “إلتفت لأم محمد” إدخلي الزنزانة يا خالة .. “إلتفت إليه” و لا تقترب من زنزانتي فأنت غير مرحب بك ..

الرجل الذي معه كان مسؤول كبير الأردن”أظنه كان السفير”  في إسرائيل ..

لكن ذلك المجرم محمد .. بعدما خرجت من زنزانتي وعدت للأجانب .. ذهب لزنزانتي و كلم أم محمد و أتهمها أنها كاذبة و أن حكومة مصر لا تظلم وأنه بنفسه سيتـأكد من تلفيقاتها .. عدت له مرة أخرى صرخت بوجهه أن إبتعد .. فأسرع ونادي مسؤول سفارة الأردن وخرجا .. 

 

آه كم يؤلم .. أن يدنس هؤلاء إسلامهم و إنسانيتهم ورزقهم .. بالعمل يداً بيد مع من دنس مسجدنا الأقصى بإغتصابه و دنس اليهودية بالصهيونية  و دنس الإنسانية بوحشتيه .. كان هذا الموقف في السجن ذو مرارة بغيضة ..

الآن فقط إستوعبت حرقة  أصدقائي المصريين و الأردنيين عندما يعتصمون امام السفارات الصهيونية في بلادهم و يتحدثون بغضب و قرف عنها .. مرارة تحرق .. تحرق .. تحرق .. ولا تنطفيء ..

ليست أول مرة أقفز في حياتي بكل رشاقة على طاولة لكن تركت هذه الهواية منذ تركت المرحلة الإبتدائية .. إضطررت للعودة لها الآن .. أقفز برشاقة و سرعة .. و أتكلم بصوت عالي ” في الحقيقة كنت أصرخ من أعماق قلبي ” .. و جعلت طاولة الطعام الرمادية هذه هي المنبر .. و أصدقكم القول أنه شد من عزيمتي هذا المنبر..  أنادي علي السجينات  زميلاتي لكن الحديث كان يتوجه بإنسيابية مزعجة إلى آذان أجبن جيش على وجه الأرض .. جيش بني صهيون اللذين يحاوطوننا … بدأت أصرخ بأعلى صوتي ..

we have the right to do two phone calls within the first 24 hours from being arrested .. and we are arrested now for for more than 31 hours ..  you have to give us our right >> we need to do a phone call

طبعا الصهيونيات كانوا يرمقوني بنظرات الغضب ثم يرسلون إحداهم “مندوبة المصالحة” لتبلغني أن عليَ النزول الآن و أنها خلال ساعة ستعطيني هاتفا كي أتصل لأن هاتف السجن خربان و هي تنتظر المهندس ليصلحه  ..أتذكر مواثيق الأم المتحدة التي نكثت و معاهدات السلام و الوعود  و القمم و التصريحات  .. و أبتسم في داخلي  فهي حتماً منقعة بالكذب المشوي على الخداع ..  فأكشر من الخارج و أكرر في وجهها كلامي .. فتكرر طلبها بغيض ثم مرة أخرى بعصبية .. تلوح لي بيدها بعصبية فأحسست كأنني ذبانة مزعجة تسرق منها راحة لذيذة .. جميل شعور الذبانة إن كانت تخدم الإسلام  ..زاد تلويحها في وجهي و هي تنطق بإنكليزية ركيكة ثقيلة و مزعجة  كنت أنتظر تلك الصفعة كي تجيء علي وجهي لكنها كلما إقتربت مني بوجهها إقتربت أنا لا شعورياً بوجهي أكثر .. فترجع هي بضع سنتيمرات للوراء .. فأحس صدي هذه الحركات في داخلي لا شعوريا كلما تقدمت أنا تراجعت هي .. صحيح أنها بضع سنتميترات لكن نعم هكذا سترجع فلسطين .. بالمواجهة .. و فقط بالمواجهة الحقيقية .. و تستفز جنوني تلك الحقيقة فأعود .. أعود لجنوني ..  كنت أستمتع بهذه المواجهات لأنها تشجع بقية السجينات علي مناكفتهم  .. و الجوَ العام يصبح خارج نطاق سيطرتهم .. و هو يفرغ غضبنا أيضاً .. و يشعل جو من الحماس و المقاومة بيننا .. فيردد القلب .. الحمد لك يا رب ..

 

صاحت تلك السجينة الفرنسية الشقراء المسيحية الشابة النحيلة الجميلة التي كانت على سفينة 8000 “سفينة الثمانية آلاف أسير”  بدأت تصرخ بعربية ركيكة

 

آشت فلستين هرة أربية مسلمة >> أي عاشت فلسطين حرة عربية مسلمة

 

في الحقيقة ضحكت عندما سمعتها ..  لأني تذكرت مقطع من مسرحية كويتية قديمة .. ثم بدأت السجينات  يرددن ورائها  ذات العبارة .. و الله أن أحسست أن الإبتسامة إرتسمت في قلبي و الفرح يرقص بين ضلوعي .. جو مشحون على الآخر .. غضب كبير يلفني .. في المقابل أنا مقيدة .. تحت قبضتهم .. شعور مؤلم .. لم أتذوقه في حياتي من قبل !!! لم أتذوق لقمة الحزن التي تخفي في داخلها الفرح .. بدأت أتعرف الآن على ألذ شعور .. شعور لم أفكر به من قبل .. شعور المقاومين و المناضلين و المضحين في هذا الكون من أجل ما يظنون أنه الحق .. و لكن شعوري أنا كان أقوى لأنني متيقنة أنه الحق .. متيقنة كيقيني أنني أنا خلق الله ..

 

sondos

سندس بملابس السجن

 

 سندس العبدالجادر صديقتي الكويتية ذات الإبتسامة المشعة التي حرقت الصهاينة ببرودها و قوتها .. سألت الفرنسية

سندس : هل تفهمين ما تقولين ؟ أم فقط ترددينها كعبارة

الفرنسية : لا لست أرددها فقط … أنا أعي كلمة كلمة “و إسترسلت تترجم المفاهيم و تشرح بحماس و إخلاص” ..

سندس : سندس “كانت رائقة المزاج” أفهم لما تقولين عاشت فلسطين حرة .. لكن ما دخلك بالعربية و الإسلام كي تهتفين لهم !!!

الفرنسية : حرة لأن كل إنسان من حقه أن يعيش حرا .. عربية لأنهم عرب و من حقهم الإنتماء لتاريخهم .. مسلمة .. أنا أدافع عن حقهم بإختيار الدين الذي يرتضونه حتى و لو لم يكن ديني ..

و ألجمت الأفواه .. أنا الآن أسمع شابة  فرنسية تدافع عن عروبتنا..  و مسيحية تدافع عن إسلامنا وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .. و ها نحن نتعارف يا رب فنذهل بمن لم يأته مدادك القراني لكنه يطبق >> رحمة للعالمين ,, بحذافيرها .. 

الآن الساعة العاشرة صباحاً .. دخول عدد أكبر من السجانات .. توتر صهيوني عام في المكان .. ترى في أعينهم حيرة لا يعرفون ماذا يفعلون بنا تراهم يتهامسون يتناقشون .. كل ينادي الآخر .. بعد مدة قصيرة جدا و كما توقعت.. طلبوا مننا التوجه إلى الزنزانات .. لماذا ؟؟ و إلى متى ؟؟!؟ لا أحد يرد !!!

 

بتوجس من الجميع ذهبنا إلى الزنزانات و نحن لا نعلم ما هو الهول القادم .. لكنه حتماً ليس إيجابياً .. دخل الجميع إلى الزنزانات .. جاءت السجانة “إلاة” بدأت تأخذ أسمائنا للمرة التاسعة و العشرون .. ظننت لوهلة أنهم سيصنعون نصباً في ميناء أشدود أو في مطار تل أبيب يحمل أسمائنا عنوانه ” إرهبيون بلا حدود” أو ”إرهابي مع مرتبة القرف” أو ” إرهاب بلا أسباب” .. طبعا أي كائن حي يحاول تقديم مساعدات إلى لطفل في غزة أو ينقذ محمد الدرة جديد من ذات المصير أو يرجع امرأة مسنة جنى عليها المرض إلى بيتها .. سيسطر الكيان الصهيوني رسمه و إسمه كإرهابي .. بالطبع كانوا يعدوننا خوفا من أن تهرب إحدانا .. خوف يسيطر على السجان … و السجين لا زال ينعم بالأمان ..

 1 يونيو 2010   فجراً

beer shiva sign2

بدءت حافلة السجن تسير ببطيء .. أظن أننا وصلنا .. وقفت لأنظر من النافذة للخارج .. بالكاد تبينت سور عالي جداً في أعلاه الأسلاك الشائكة .. حتى هذه الثانية كان لدي أمل أنهم سيأخذونا للمطار و الترحيل .. لكن الآن تبخر كل الأمل الذي فيني .. إذن هو السجن .. دخلنا داخله أرى مباني كثيرة حولنا و السيارة لا زالت تسير من الواضح أنه حجم هذا المكان كبير من الداخل .. فجأة توقفت السيارة .. و توقف قلبي معها .. يا ترى ما هو القادم .. ماذا سيكون ؟؟ و هل سينتهي ؟؟ أم سأنتهي أنا  قبل ذلك ؟؟

 

0

السور الذي يحيط بالسجن

 

ثم سارت بنا السيارة ثانية و أنا أحاول أن أستشف النظر من الثغرات الصغيرة في النافذة و الكل يسألني ماذا تشاهدين ؟! حاولت أن أتبين المكان .. مباني رمادية اللون و مكان مظلم .. رأيت بعض الشرطة يجولون بالمكان و مكتوب على ملابسهم بالعبرية فأحسست بقرف شديد .. بدء قلبي ينبض بشدة .. تمنيت أن أصرخ فيمن حولي دثروني دثروني لأن الحافلة التي نركبهاعبارة عن حافلة نقل أموات كما أظن من درجة البرودة القارصة فيها .. تلفت أتأمل الوجوه حولي .. الأغلب ساكن و هاديء .. و الأغلب تتبين من ملامحه إيماناً يقول إن الله معنا .. سكنت و هدئت .. و هنا سكنت الحافلة العسكرية التي حشرونا الصهاينة  داخلها ..

beer shiva 1

سجن بئر السبع الذي إعتقلنا به

 

لحظات صمت رهيبة ثم سمعت باب الحافلة من الخارج يفتح .. و صراخ الصهيوني بصوته الأجش : يا الله إنزل .. فكان صداها في قلبي الله ياخذك .. و يأخذ كل الصهاينة معك .. إلى حيث تستحقون

 

بخطوات ثقيلة نزلت من الحافلة أتلفت حولي و أحاول إستشراف و إستكشاف المكان .. نقف الآن بين مبنيين متشابهيين بهم نوافذ مغطاة بالحديد أمامنا بوابة معدنبة هي المدخل الرئيسي كما إستوعبت .. طلبوا منا الجنود التوجه للبوابة .. نزل الجميع مع بعض .. دخلنا من تلك البوابة المعدنية و بعد أن إكتملنا .. بدء العد .. طبعا كرهت أولى في هذا اليوم بسبب تكرارهم لأي عملية عد للمساجين “اللذين هم نحن” أكثر من سبع مرات بطريقة إستفزازية .. لكني إستوعبت أن الجنود الصهاينة لا يتعلمون العد لأنهم لا يحتاجونه في حياتهم .. فالبشر أمامهم ليسوا كائنات بالعدد بل بالنوعية .. و النوعية شيئان أما صهاينة أو لا أحد .. فطبيعي أنهم لن يعدوا اللا أحد .. بعدها فتحوا باب زجاجي مررنا منه و أصبح أمامنا رجل واقف داخل غلرفة زجاجية و أمامه شاشات تلفزيونية إذن هذا من سيتمتع بمراقبتنا طوال الوقت هذا مراقب السجن .. المبنى من أمامي مقسمين نصفين متطابقين جزء على اليمين وو جزء على اليسار .. من على اليمين ظهروا لنا السجانات لأول مرة .. إستلموا أوراقنا من الجنود .. بدؤوا بالنداء علينا و إدخالنا في غرفة زجاجية صغيرة واحد تلو الآخر .. هي ليست غرفة بل على الأغلب ممر مغلق من كل الجوانب .. وقفت بجانبي إحدى المعتقلات و هي ترفع يديها للسجانة لطلب الإذن .. نظرت إليها و قلت لها ماذا تريدين .. قالت أريد الذهاب إلى الحمام .. إستغربت و قلت لها هل تأمنين على نفسك للذهاب لوحدك من قبل أن تعرفي مصيرك إنتظري دقائق معدودة حتى يتبين الوضع ثم إفعلي ما تريدين ..

و بدء النداء على الأسماء و مع كل إسم يمسكون الجواز و يحملقون في ملامحنا ثواني بإزدراء ثم يدخلوننا قاعة السجن الرئيسية .. كان إسمي من أواخر الأسماء .. دخلت قاعة السجن الرئيسية و إذا بها كراسي و طاولات ثابته ألوانها رمادية ترتص أمامي .. و على يميني مطبخ صغير .. و زنزانات على مستوى طابقين تراهم كله بنظرة واحدة على يمينك فقط .. و على اليسار باب صغير مفتوح لمحت من خلاله ذات المكان طبق الأصل مكرر والمكان جديد أظن ننا سنفتتحه ..

صرخت علي إحدى السجانات و طلبت إسمي .. قلت هيا .. أعطتني ملابس داخلية “رجالية” كنوع من الإهانة التي يحترفونها و تي شيرت رمادي اللون مع بنطلون رمادي اللون و صابون أيضاً .. وزعوا الزنزانات .. التي تحمل في كل منهم سريرين .. فوق بعضهم و حمام صغير شبه مكشوف فيه فقط مرحاض و مغسلة و هو قذر للغاية .. من حسن حظي تبقت لي الزنزانة الأخيرة التي بها أربعة أسرة .. فكنا فيها أربعة كويتيات ..

دخلت السرير مغطى بشرشف أخضر مكتوب عليه بالعبري لا وسادة و لا غطاء .. كنت منهكة .. إستخدمت الحمام علي قذارته .. الماء شحيح يخرج بصعوبة .. حتى ماءهم طابعه يهودي بخيل لا يخرج .. صليت المغرب و العشاء و الفجر .. صعدت اللي السرير العلوي .. و أغلقت عيني لكني لم أنم .. لا زلت خائفة على مشاعر أمي .. يا ترى ماذا تعلم عني ؟؟ هل تعلم أني حية أرزق ؟؟ هل تبكي ؟؟ هل هي قلقة ؟! هل بدأ الناس بالإتصال بها و لومها ؟! هل هي غاضبة علي ؟؟    فجأة تذكرت أنهم أعطونا ملاحظات عن حقوق المعتقلين قبل مغادرتنا أنطاليا – تركيا .. هذه الحقوق العالمية المطبقة من الأمم المتحدة ..  لنا الحق بإجراء مكالمتين خلال أول ٢٤ من إحتجازنا “واحدة للأهل و أخرى للمحامي أو السفارة” .. قفزت من السرير و أردت أن أكلم السجانة .. صرخت أناديها لكنها لم ترد .. و الباب الحديدي للزنزانة أغلق و لن يفتح إلا بالصباح باب حديدي .. باب سجن حقيقي .. بدءت أحس بشعور غريب .. شعور أني سجينة .. سجينة في سجن ..

كانت الساعة تقارب الخامسة صباحا تسللت لسريري في الأعلى .. كنت منهكة .. أغلقت عيني .. و إنغمست في التفكير .. لست خائفة على نفسي إطلاقا .. أفكار تتضترب مع أفكار .. وجوه تختلط في رأسي .. أحلامي أيضا مشوشة .. لست أعرف ما هو مستقبلي !! هل سأخرج و متى و كيف .. مع زحمة التخيلات .. جائني طيف حبيب أراح قلبي .. ذكرت الله .. فإطمئنت نفسي  .. ولا أعرف كيف لكنني  نمت ..

 

فجأة سمعت صراخا عالياً جداً .. و صوت ضرب على الأبواب الحديدية .. يقترب الصوت أكثر .. و أسمع الضرب أقوى .. فتحت عيني تأملت الغرفة التي أنا بها .. الكل إستيقظ و هو يتأمل وجه الآخر بلا كلام .. إقترب الصوت منا شيئا فشيئا .. صوت السجانة  .. صرخت من نافذة البوابة المغطاة بالحديد ..

officer is coming in 5 minutes .. wakeup and be ready

الساعة السابعة صباحا إلا ٥ دقلئق .. قفزت من سريري و غسلت وجهي .. و وقفت عند الباب و ناديتها أن إفتحي الباب .. فقالت لي أن الباب لا يفتح إلا من البابة المركزية .. طبعا من الغباء أن تصدق أي صهيوني لأنني وقفت أنتظر أكثر من ساعة .. كانوا يريدون تعذيبا حتى لا نشبع من النوم .. صراخها كان يشيع التوتر في النفس لأننا لا نعلم ماذا بعد ذلك .. لكن أظن أننا سنعود للتحقيق كما قال لي ذك العجوز الصهيوني في التحقيق .. و لا زلت أنتظر .. و أصغي لنبضات قلبي .. لأنها قد تكون الأخيرة .. اللهم سلَم ..  بعد ساعة سمحت صرير كل أبواب الزنزانات و هم يفتحون بطريقة إلكترونية .. خرجت و ركضت نحو السجانة ..  قلت لها  : أين الضابط ؟! ألم يشرفنا بعد ؟

فقالت لي : أنه لم يأتي بعد إذهبي للطعام .. أشحت بوجهي بعيدا عنها .. نظرت لطاولة الفطور ..  إذا هو عبارة عن بيضة و خيارة و فلفل أخضر كما أتذكر .. على شدة جوعي فأنا ليوم و نصف لم آكل سوى قطعة من الشوكولاته  .. لم أشتهي أن أضع نقطة منه في فمي و لا حتى الماء .. ترفعت نفسي عن أن أضع في فمي طعام صهيوني .. فجلست اتأمل السجينات و هم يخرجن من زنزاناتهم .. نظرت من الباب الاخر الذي يربط بالعنبر الآخر .. و إذا بصديقاتنا على الأسطول .. فرحت كثيرا فتوجهت إليهم لأتطمن عليهم .. سدت علي الباب إحدى السجانات و كانت بيضاء و سمينة و ترتدي قميصا ضيقاً .. فصرخت بوجهي السجانة أن ممنوع عليكم تعدي منطقة عنبركم .. نظرت لها بإزدراء .. و عدت أدراجي .. كان أغلب الذين معي في نفس العنبر هم من رأيتهم بالتحقيق أو كانوا معي في حافلة السجن .. رأيت زوجة الشهيد تأخ بعض الطعام و تجلس بهدوء علآ الطاولة وتأكل .. يا سبحان الله .. لم أستطيع أن أعي حجم الرضا في قلب هذه الأم الشابة التي بالأمس فقدت زوجها و هي الآن مجهولة المستقبل و أبنائها في تركيا و الجثة في مكان ما لا تعرف أين هو .. رفعت رأسها و لمحتني فإبتسمت .. أحسست أن إبتسامتها تطمئني إن الله معنا .. جلست جنبها و جائت بعض الأخوات التركيات .. تجاذبت الحديث معهم أسألهم و أتفقدهم .. هنا بلغوني الأخوات الجزائريات أن عائشة الجزائرية مفقودة و هي ليست معنا في السجن مع أنها كانت معي بالتحقيق .. شعرت بالقلق عليها لأنها كانت تتحدى الصهاينة طول الوقت فحاولنا البحث عنها لكن لا أثر.. ثم فجأة  إثنتان من عضوات البرلمان الألماني من العنبر الآخر تجاوزا منطقتهم و أتوا إلينا .. بروح تحدي أوروبية منهن بدؤوها بالصراخ بالإنجليزية ركيكة  فخضعت السجانات و أصبح مسموحا لنا التنقل بين العنبرين  .. تفاجئت بعلامات ضرب شديدة على أجسادهم فأبلغوني أنهم قد ضربوا أثناء الإنزال على سفينتهم ضرباً مبرحا مع إنهم عضوات في البرلمان الألماني و أعمارهم تعدت الخمسين لكن هذا لم يشفع لهم أمام وحوش بني صهيون .. هنا قابلت ركاب السفن الأخرى اللذين كنا نراهن من على سفينتنا و نلوح لهن و ننادي بصيحات من أجل فلسطين و يردون علينا .. كنا نراهم من بعيد و هم يصرخون .. See You in Gaza .. و يردد ذلك البحر الزرق الانهائي صداهم حتى يحمل أحلامنا لكل شاطيء ينتهي إليه .. على أمل أن يصل لضمير الكون .. و لكن للأسف الميت منهم أكثر من الحي .. ها نحن قد إلتقينا لكن في .. فلسطين المحتلة .. لا نعلم شيئا عن العالم الخارجي .. نحن الآن  في سجن .. نعم نحن الآن معتقلات في سجن بئر السبع في فلسطين المحتلة ..

و يا رب إليك وحدك كان المسير ..و  بيدك وحدك المصير ..

 

 

 1 يونيو 2010   ليلاً

 

 تحركت بنا حافلة السجن بعد أن إكتمل عددنا والحافلة مغطاة بالكامل بشبك حديدي على نافذتين علوييتين طويلتين من اليمين و من اليسار و فوقهما صبغ أسود ..  رأيت في الجهة المقابلة من السيارة هناك 4 من زميلاتي معنا تبسمت لهن سريعا لكنني لم ألحق أن أرى إبتسامتهن لأن السجان الحنون صفع الباب الحديدي في وجهي بعنف .. فخفت لكن عندما إستوعبت أننا كلنا مع بعض إرتحت قليلاً .. و إنتبهت إحدى زميلاتي لملصق معلق خلف الباب السحب الحديدي لحافلة السجن العسكرية .. ملصق جديد على علم فلسطين و بالمنتصف مكتوب Free Palastine .. نعتقد أنه من أحد نشطاء السلام الذين كانوا معنا على متن السفينة لكن نظن أنهم أخذوا في هذه السيارة قبلنا .. موجة من الفرح و الحماس بدت على الوجوه و بعض الهمسات و الضحكات و هذه كلها على صغر حجمها كانت رحمات رحمات كبيرة ..

 

و  سارت بنا السيارة .. هي في الحقيقة كأنها سيارة نقل موتى من شدة برودتها .. الجو بارد قارص جداً داخلها فقط  بعد يوم كامل من الحر و العرق .. الجميع يرجف من البرد .. أشعر بعطش و جوع شديد جداً .. أحسست بسخونة تتسلل إلى جسدي فأغمضت عيني هرباً من المرض لأنني أحتاج لصحتي الآن أحتاجها بشدة .. آه فجأة سمعت ذلك البكاء .. فتحت عيني  أبحث في الوجوه وجدت الجميع يحدق بي .. شككت بالوضع و إذا بي أستوعب أنهم يحدقون بمن جنبي .. زوجة الشهيد .. صرخت من أعماق قلبي .. أرجوك يا رب لا .. لا تدعها تستوعب الآن .. يا رب إرحم حالها .. بكائها كان يكفي لتحطيمي من الداخل .. حاولت أن ألم شتات نفسي .. و تذكرت حياتي ..

 

تذكرت ذلك اليوم الذي أخذت به جدتي الحبيبة  إلى المستشفى لإجراء فحوصات عادية فأعطاها الطبيب حبة مسكن فغَضِبتُ لأننا ننتظر منذ أكثر من ساعتين و هو لم يكشف عليها حتى .. ففتحت يديها و أريته المكان الي يؤلمها .. خاف مني الطبيب لأنني كنت غاضبة جداً من الامبالاة فيه .. فطلب عمل أشعة .. بعد ظهور نتائج الأشعة .. طلب مني الحضور لمكتب الأطباء الرئيسي ثم جلسوا معي بهدوء ثلاثة من الأطباء و أبلغوني أنهم سيحولونها لمركز علاج السرطان .. كان ورماً .. يا رحمن رحمتك .. و كنت صغيرة حينها في بداية دراستي الجامعية و عاشقة لكل شيء في جدتي أخلاقها تواضعها ثقافتها صلاتها تربيتها و صبرها .. لم أعرف كيف أتصرف و لكنني أعرف أن جدتي ستلاحظ أي تغيير جديد سيطرأ عليّ .. و أعرف أيضاً أنّ جدتي تجيد الإنجليزية  فخِفتُ أن ترى ورقة التحويل بتفاصيلها و تعرف بالمرض .. ركبت السيارة و جلست جنبي .. كنت أتمنى أنني أستطيع أن أغوص في حضنها و أبكي .. لكن ملاذي الحنون على قربه مني أصبح مُحرمٌ عليّ الآن .. هنا تعلمت معناً جديداً للحرمان ..  يداي ترتجفان و أنا أقود السيارة .. أوصلتها لبيتها .. و لم أستطع أن أعود لبتنا و لم أستطع أن أبلغ أمي بشيء خوفاً عليها .. فإتصلت بخالي .. و أنا أنتظره جلست أفكر .. لِم أختارني الله أنا كي أكون من يواجه الموضوع لوحده .. ثم رددت تلك العبارة لأول مرة .. .. و لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .. فالله بحكمته  أراد أن أواجه أنا هذا الموقف و سأواجهه و  حتماً تربية ليهيئني الله لما هو أشدو أكبر  فيجب أن أنجح بالإختبار .. بعدها بفترة كانت وفاة أختي الصغيرة القريبة جدا إلى قلبي بحادث سيارة و دخول أمي للمستشفى و أبي أيضا و أي الصغير في العناية المركزة بكسر في الجمجمة .. إستغفر الله لكن بعد هذه الفاجعة ظننت أن الله لن يبتليني .. كنت هكذا أحدث نفسي أن الله يعلم أنني في وضع صعب فالآن لن تكون هنالك إبتالاءات قريبة إستغفر الله .. و بعدها بشهور ستة إنفجعت بوفاة إبن عمي و زوجته التي كانت زميلتي في الدراسة  أثناء  شهر العسل .. و بعدها بكم شهر كانت وفاة جدتي الحبيبة .. و في كل مرة أردد هذه العبارة .. الله بحكمته  أراد أن أواجه أنا هذا الموقف و سأواجهه و  حتماً تربية ليهيئني الله لما هو أشدو أكبر  فيجب أن أنجح بالإختبار ..

 

للمت شتات نفسي .. ثم إلتفت إلى زوجة الشهيد و ضَمَمتُها في حضني .. كانت تبكي بسكون رهيب .. خفت من بكائها لأنني لم أستطع فهم ملامحه .. لكن في النهاية بكاء و بكاء حزين جداً .. و المحزن أيضاً أنني لا أجيد التركية .. و هي لا تجيد غير التركية .. و لكن الله ألهمني بضع كلمات أرددها عليها بين الحين و الآخر ..

صبر .. جنة .. شهيد .. أجر .. رحمات ..

أخذت وقتها في البكاء بحضني و أنا أربت على كتفها تارة و أقبل رأسها تارة أخرى  .. لا أدري ماذا أفعل ؟! فغرقت في تفكيري و في ذكرياتي و سمعت همساً بجانبي أن الصهاينة أبلغوهم أنه سيكون حبس إنفرادي في غرفة مظلمة مع الفئران .. طبعاً الأخت التي كانت تتحدث قالت لهم .. أنا أحب الفئران منذ صغري و لديّ  ”هامستر” صغير أُربيه .. سبحان من ألهمها الجواب لتغيظ به قلوب بنو صهيون .. الكل في السيارة يتحدث بلغات عدة بين الأسباني و التركي  و العربي و الإنجليزي ماذا يتوقعون .. موجة من القلق و الترقب تسود الوجوه و بالطبع القلوب .. لكن الله شغل فكري بزوجة الشهيد .. كنت أبحث عن كلمات عربية من الدين تفهمها لأرددها عليها من باب التطمين و التهدئة  ..و لأنني كنت بكامل جسدي مقابة لزوجة الشهيد فلم يكن أمامي سوى النافذن أن أنظر لها .. كانت هنالك بقع صغيرة في النافذة بحجم حبات الحمص “لا تلوموني على التشبيه فكلما أتذكر الجوع ذلك اليوم لا يخطر ببالي غير الطعام” .. أسترق النظر من خلال تلك النقط الصغيرة بصعوبة بعد أن ألوي عنقي قليلاً .. أريد أن أشاهد فلسطين المحتلة على  الأقل .. لمحت  بعض العمارات و بعض إنارات الشوارع وشاهدت  سماءاً  سوداء و في بعض الأحيان كنت أستطيع مشاهدة إنعكاس إضاءات السيارات  .. كنت أتمنى لو أنهم تركوا لنا مجال على الأقل أن نشاهد الشوارع البيوت الناس .. نشاهد المغتصبين لأرضنا و لإنسانية الإنسان .. حتى نهديهم تلك النظرات العميقة .. نظرات الإحتقار برومانسية تتناسب مع رومانسية إغتصابهم لأرضنا كما يرونها هم ..  لكن لا أمل للأسف حتى عيوننا مسجونة بتهمة الإنسانية الزائدة عن الحد .. 

طريقة جلوسي  مُتعبة جداً  فبين الحين و الآخر تنزلق أجسادنا  من الكراسي التي على ما أظن كانت معدنية ..  فأثبت رجلي بالأرض بقوة كي أتماسك و أمسك أيضا معي زوجة الشهيد برفق حتى لا تحس أنها ثقيلة عليّ .. سائق سيارة السجن كان أرعناً جدا في طريقة قيادته .. لا يقف عند المطبات فنقفز كلنا من أماكننا .. يحني السيارة بقوة فيسقط بعضنا .. و أظنه كان متعمداً .. بل متيقنه لأن هذا من أدب الضيافة الصهيونية ..

 

نقاش بين الجموع على موضوع حساس .. هل نوقع ورقة التسفير .. هذه الورقة تعطيهم الحق بأن يمنعونا من دخول فلسطين المحتلة لمدة 10 سنوات .. و تلزمهم بأن يخرجونا منها خلال 72 ساعة .. القيادة التركية كانت صارمة تجاه الموضوع بأنه هنالك حل من إثنين .. إما الجميع يوقع .. أو الجميع لا يوقع .. و الوضع الآن أن الجميع لا يوقع حتى نستطيع التواصل مع “النمر” و يعطينا الإذن .. بعض الجنسيات كان لديها تحفظ أن لنوقع خصوا أننا لا نعلم ما يحدث في العالم الخارجي قد يكون لصالحنا أو الأغلب أنه ضدنا .. الأوضاع معتمة و لا مجال لنور البصر أن يرى الآن .. لكن نور البصيرة يقول يد الله مع الجماعة .. فالجميع لن يوقع كما إتفقنا ..

هدئت زوجة الشهيد و رفعت رأيها الحزين ثم نظرت في عيني مباشرة و إبتسمت إبتسامة ذابلة .. أحرجتني إبتسامتها .. أحرجت قلبي و أحرجت إنسانيتي و أحرجت على وجه الخصوص إيماني .. إلتفت إلى أحدى التركيات خلفي و كلمتها بالتركية و كأنني لمحت لفظ إسمي بين كلامها .. إلتفت علي التركية الأخرى و قالت لي بإنجليزية ركيكة .. هي تقول لك هي ليست حزينة لأن زوجها شهيد وأيضا هي لا تبكي لأن زوجها شهيد .. نظرت إليّ زوجة الشهيد و إبتسمت .. ألجمتني بكلامها لكن إبتسامتها هذه المرة مع أنها الإبتسامة الذابلة  ذاتها منذ قليل لكن معناها أذهلني  .. يا الله بعد هذا كله ما شاء الله لا زالت بذات التسليم لله .. الله يحميها و يثبتها .. .. يا كريم يا رحيم يا قدير .. لا زلت تربيني يا رب .. بأكبر مما أتصور .. لا زالت تلك الشخصيات الفذة تحاوطني بها رب .. لتعلمني أن الحياة التي وهبتَني إياها  في وطني و أن الترف الذي أعيشه و أن الأيام التي تنساب كالموج الهاديء في حياتي .. ليست هي معنى حياتي .. ليست هي العمق الذي أريده في حياتي .. و أن أموال قارون كلها لم و لن تستطع أن تنتزع الإبتسامة من أعماقي كما هي ترتسم عليّ الآن .. إبتسامة النصر الصافي و أنا في طريقي لأول ليلة سجن ..

1 يونيو 2010 ليلاً

أمامي كان ذلك الشاب الصهيوني الغير اللطيف و أمامه جهاز الكمبيوتر و على اليمين تجلس تلك الشابة الغير لطيفة الصهيونية بالطبع التي تضبط كاميرا صغيرة من نوع كانون زهرية اللون على الستاند  .. و جيء بي لهم .. بجوازي الأزرق الكويتي .. و بوجهي الذي إنعدمت ملامحه .. و بقلبي الذي ينبض بلا إله إلا الله .. تلفت يمينا و يسارا .. برفين كانت أمامي و على يميني زوجة الشهيد و أمامي أحد الشباب الأتراك .. طاولات مرصوصة مع مسافة مترين تقريبا بين الواحدة  و الأخرى و أرى “سندس” من بعيد و “نيكي” البريطانية كانت على يساري .. حقيقي عندما طُلب مني الجلوس على كرسي بلاستيكي أمامهم سلمت أمري لله .. لأننا دخلنا بالجد .. رفعت رأسي بثقة وجرأة و جلست برجل فوق الأخرى و حملقت بهم .. أخذ الجندي الصهيوني الأشقر الغير لطيف يقلب في جوازي .. أقسم بالله أنه في حالة ذهول .. لأنني خليجية و من الكويت فالظاهر الموضوع عمل له صدمة عاطفية .. قلب جوازي بين يديه فترة كحرب أعصاب .. لكن لسوء حظه فكل أنواع الأعصاب داخل جسدي إنقطعت و إنعدم الإحساس .. فحملقت بملامحهم أكثر و ثم مللت من وجوههم فتأملت بما يوجد على الطاولة لعلي أجد فيها قبس .. لكنني لم أجد سوى نارا تخرج من فمه عندما بدء بتوجيه طلقاته الكلامية الفارغة إلي ..

المحقق : هل تتحدثين الإنجليزية ؟

هياء : نعم

المحقق : ما شعورك و أنت في إسرائيل ؟

هياء : لا يوجد في قاموسي هذا المصطلح .. ما أعرفه هو فلسطين و فلسطين المحتلة ..

المحقق : هل أنت سعيدة لأنك بإسرائيل ؟

هياء : كيف أكون سعيدة و أنا لم أنوي المجيء إلى هنا بالأصل ..

المحقق : لكنك لم تري إسرائيل بعد ..

هياء : و لا أريد أن أراها .. أريد أن أرى غزة فقط ..

المحقق : هل تعلمين أنك مجرمة أمام القانون العسكري الإسرائيلي

هياء : و لم ؟

المحقق : لأنك تعرضتي لسيادة دولتنا

هياء: و هل تعلم أننا أختطفنا من المياه الدولية و لم نقترب من حدودكم  و لم ننوي الإقتراب!!

المحقق : كنتم قريبيين جدا

هياء : كنا على بعد 130 ميلا من مياهكم الإقليمية و أنتم تعديتوا المياه الدولية بما يناقض القوانين الدولية التي لا تسمح لكم سوى بتعدي مياهكم الإقليميد ب 20 ميل في حالة الحرب .. و للعلم لم نكن في حالة حرب

المحقق : الحقائق كانت مشوهة أمامكم ..

هياء : الحقائق كانت واضحة أمامنا .. لأن على متن سفيننا أكثر من 19 مؤسسة إعلامية و صحفية عالمية من فنزويلا مرورا بأوروبا و العالم العربي إلى الهند و ماليزيا و أستراليا كانت ترصد الحدث ثانية بثانية  .. و هناك أجهزة رصد عالمية ستثبت للعالم موقع الإعتداء ..

المحقق : من أين أنت ؟

هياء : “بإستغراب” أليس هذا جوازي بيدك ؟؟

المحقق : من أين أنت ؟

هياء : من كل العالم

المحقق : و ماذا يعني هذا ؟

هياء : “ببرود” قصة طويلة و ليس لي مزاج بأن أرويها الآن 

المحقق : “بإسلوب حقير “ أنت مجرمة في القانون الإسرائيلي  و ستعرضين للمحاكمة

هياء : أريد محامي >> هيئة الإغاثة التركية كانت موفرة لنا مكتب محاماة للدفاع عنا و لحفظ حقوقنا في حال أختطفونا لكن الصدمة بالنسبة لنا كانت أنهم إستخدموا العنف معنا بل أشد من ذلك القتل .. و هو ما لم يخطر على بال أحد مننا لأننا نعي أنهم سيخسرون كثيرا في حال أنهم إستجرؤا ..  و هذاا الذي حصل لاحقاً .. فشكراً لعنجهيتهم و شكراً لغبائهم

المحقق : لا يوجد محامي

هياء : لدي محامي ينتظرني بالخارج .. و من حقي أن لا أرد عليك حتى أراه

و طالت الحوارات القانونية بيني و بينه و أخذت لي زميلته في الإجرام  صورة شخصية لي .. ثم طلب مني التوقيع على ورقة بياناتي التي عباها هو فرفضت .. و فجأة جاء رجل مسن  يبلغ من العمر تقريبا 65 عاماً و سحب كرسياً و جلس على يميني و هو يقابلني بوجهه ..

الرجل : مرحبا

هياء “بإستغراب” : مرحبا

الرجل حاول تقريب كرسيه لي فلمحت الطاقية الصهيونية على رأسه مما رفع لدي حس العداء

الرجل : بتحكي عربي منيح .. من وين تعلمتي ؟

هياء : إنت إللي بتحكي عربي منيح .. من فين تعلمت ؟

الرجل  : المهم أنا جاي هون من شان أساعدك

هياء : و أنا ما طلبت مساعدة .. إنجليزيتي ممتازة و متفاهمة معاهم

الرجل : أنا صديقك

هياء : أنا ما عندي أصدقاء بهذا البلد

الرجل سألني بعدها ثلاثة أسأله و أنا متجمدة في مكاني و أمثل إني سرحانه و لا أسمعه .. فصرخ فيني

الرجل : شو ما بتسمعيني ؟

هياء : “لم أود أن أكذب عليه ” ليه إنت قلت شيء ؟

الرجل : كنت بسألك ما سمعتيني ؟

هياء : شو سألت ؟

الرجل : الواضح إنك تريديني أختم على جوازك … بختم إسرائيللي >> طبعا أبناء الإجرام يعلمون أن هذا سيسبب لي مشاكل عويصة في حال عودتي لوطني لكنهم لم يعلموا أننا مستوفيين كل إجرائاتنا القانونية لحمايتنا داخل الكويت في حال عودتنا

هياء : إللي يريحك

الرجل : شو يعني ؟>> أعتقد أنه لم يفهم لهجتي الكويتية فعدت للهجة شامية مكسرة أحدثه بها

هياء : عادي .. تريد أن تختم إختم مو فارق معاي

الرجل : يعني بدك إياني أختم

هياء : “بعصبية و في داخل قلبي أقول الحمدلله” قلت لك مو فارق معاي

الرجل : ليش  إنتي معصبة هيك

هياء : لأني تعبانة

الرجل : و لم التعب ؟

هياء : أبدا ما في شيء يتعب .. مختطفة و محتجزة 21 ساعة في سفينة من غير أكل و لا ماء و أربعة شهداء أمام عيني بدمائهم طوال الوقت و فوق الخمسين جريح بآلامهم و في النهاية جالسة هون معكم ..

الرجل : يعني أنتي تعبانة

هياء : جداً

الرجل : راح أخليكي ترتاحين  الليلة هاي  في السجن >>هنا كانت أول مرة أسمع أنني سأسجن  فإستغربت لأن هذذا لم يكن ضمن وعودهم الكذابة التي تقول أننا سنخرج إلى المطار أو الحدود مباشرة و لكن سجن !!

هياء : أوكي >> كأنه سيأخذ برأي لو قلت له مو أوكي

الرجل : “بهدوء حقير “ و بكرا من الصباح راح أحقق معك تحقيق تفصيلي بما أنك ستكونين .. إرتحتي

هياء : أوكي .. ((لا شعوريا ببرود  قلت هذه العبارة التي أغاظته أظنه كان يريد أن يصفعني حينها )) غدا لا يوجد لدي شيء أنا فاضية من الصباح

غضب الرجل و إلتفت إللي المحققين الأساسيين أمامي و أشار إلي أن قومي من مكانك و إلتفت للمحقيين يحدثهم .. و عادتا الإبليستان عن يميني و عن يساري لمسك يدي بعنف لإرغامي على الإنصياع لهم و سحبي إلى مكان آخر مجهول لا أعلم ما هو .. لكن حتماً هو طريقي إلى السجن .. و أنا أسير لمحت رجل صهيوني يمسك بيد زوجته و يمثلان الحنية و ينحنون ليجلسوا بجانب زوجة الشهيد و هم يكلموها و بما أني لي خبرة بالمسرح فوجدت نفسي أمام مسرحية ركيكة ثقيلة الظل  .. بدؤو يحدثونها يا الله هؤلاء يجيدون التركية .. غرقت في تفكيري يا لا الحقارة حتى الشعب معاهم في الظلم ذالك الرجل الستيني الذي هو في سن جدي و هو مجند للتحقيق معي الساعة الآن ما يقارب الثانية و النصف صباحاً لمَ؟؟ و هؤلاء الأزواج ؟ إلتفت في كل مكان فإذا بهؤلاء المترجمين الممثليين يحومون حول طاولات التحقيق لغوايتنا بالكلام أوللضغط علينا أو  لتخويفنا .. كم يدفعون لهم يا ترى ؟؟ لأنني أراهم متحمسيين و هم يؤدون أدوارهم .. كالذباب الي يبحث عن القذارة كي يسعد .. هم كذلك ..

أحس بقرف شديد .. حر و مكان قذر و وجوه مقفرة و رشاشات كل مكان و إبليستان يضغطان على يدي و ملابي متسخة و إلى الآن لم أصلي المغرب و العشاء و لا أعلم إلى أين أؤخذ .. سحبوني إلى طابور طويل جدا .. إلتفت إلى يميني فوجدت مريم و بيدها مصحف تقرأ به و هم يحركونها .. ثم علمت أنها حتى بالتحقيق كان يسألها و هي لا تجيبه لأنها كانت تقرأ القرآن مع العلم إن مريم لغتها الأم الإنجليزية و عربيتها ضعيفة نوعا ما .. أجلسوني على كرسي .. جاءت بجانبي الأم الفاضلة شذا من سوريا .. و على كتفها كوفية فلسطينة و بها دماء .. فيسألتها ما هذا ؟ فقالت لي أنها غمست الكوفية بدم الشهداء قبل أن تخرج من السفينة ثم إرتدتها .. أحسست بغيرة شديدة لِم لَم أفعل ذلك أنا  أيضاً   :.(    ..  جاءت برفين جنبي و جلست تحدثني كيف أنها دخلت التحقيق باللولي بوب و أنها عندموا طلبوا منها تعبئة بياناتها وضعت إسم مستعار لها ثم طلبوا منها تعبئة إسم أبيها فكتبت    DAD    قال لها الصهيوني .. أين إسم أبيك فردت عليه بعنجهية    My Dads name is DAD

موقف حصل لا بد لي من ذكره و إن لم أكن ممن شهده .. أحد الشباب الجزائريين المميزين عز الدين .. دخل وقت صلاة الفجر و كانوا لازالوا في التحقيق .. فصف في الصلاة و ورائه بعض الأخوة و الأخوات  و صلى المغرب و العشاء و الفجر أيضا .. و هو يصلي بصوته الجهوري العذب الخاشع .. جاء جندي صهيوني و بصق في وجهه .. عز الدين لم يتوقف لكنه أكمل صلاته .. فقفز صهيوني آخر من مكانه و صرخ عليه أن لا شأن لك به و لماذا تبصق عليه و هم لم يتعرض لك ؟  و بدء العراك مع ذلك الصهيوني الذي بصق على عز الدين .. و عز الدين بثبيت من الله  لا زال خاشعا في صلاته .. و تدخل بقية الصهاينة لإيقاف العراك .. عندما سمعت هذه القصة عشت الآية  {إن الله يدافع عن اللذين آمنوا }

الصراحة لا أتذكر لم كنا مصطفين بهذا الطابور لكن كانت هذه آخر خطوة فبل أن يخرجونا من المكان الذي كنا فيه .. أخروجونا واخد واخد .. و وصلت لباص عسكري مغطى بالكامل كان على يميني .. ثم عديناه لسيارة حجز عسكرية .. أدخلوني لوحدي من باب في منتصف السيارة .. دخلت وجدت صهيوني مسلح أمامي و بابين معدنيين على اليمين و على اليسار .. فتح لي الباب الذي على اليسار و صوته مخيف و مزعج ثم أدخلني .. دخلت فحمدت الله أن المكان يتسع ل 20 شخصاً .. و كله نساء و الحمدلله الأغلب أعرفه جيدا .. منهم جايي التركية ذات الشعر الأحمر و الإرادة الفولاذية الداعية سنان و الأم الحنون نجوى و صديقة الصراع برفين ..  فجلست في أول كرسي على اليمين .. بعد زمن دخلت زوجة الشهيد  و جلست جنبي  .. تنفست الصعداء برؤيتها و إرتحت .. و أغلقت عيني .. هدوء شديد لا أسمع سوى صوت النفس و هذا الباب الحديدي داخل السيارة العسكرية المظلمة يفتح تارة من جهتنا و التارة الأخرى من الجهة الأخرى .. هدوء شديد  و برد أشد  .. ثم سمعت صوتا لن أنساه أبدا ً .. بكاءاً .. لا زال يرن بإذني .. حتى الآن ..

ملاحظة : أحاول التذكر على قدر ما أستطيع فسامحوني إن قصرت أو أخطأت أو لم أنقل معلومة مضبوطة لا سمح الله .

  على جسر حديدي أبيض .. يهتز .. أشار لي جندي صهيوني بعبوره .. خرجت من باب السفينة الفولاذي ..  كنت قبل الأخيرة .. فلم أجد ما أهدي الصهيوني سوى ذلك الشيء المميز جداً الذي كنت أظن أني لن أستخدمه يوماً ما .. نظرة إحتقار .. قد تظنون أنها لن تهز فيه شعرة .. لكنني أفضل أن أبقيها في ذاكرته لأنه حتما سيتذكرها يوما ما .. سيتذكر أن حتى عيوننا أبت أن ترضخ ..

عندما وصلت إلى نهاية الجسر و الذي لم يتعدى طوله المتران رفعت رأسي لأراها لأول مرة فلسطين المحتلة.. لكنني وجدتها مشوهة بهؤلاء .. تأملت تلك الخيمة البيضاء الكبيرة أمامي كانت عملاقة جداً .. شعور رائع أن تستوعب كم كلفتهم من خسائر و أنت ذلك الفرد الضعيف .. مع مجموعة أخرى من الضعفاء المؤمنين بحق الإنسان و الأرض .. إستطعنا أن نخربش حياة كل هؤلاء الصهاينة .. لأول مرة أرى وجوههم فكل الجنود اللذين كانوا معنا على السفينة كانت وجوههم مغطاة بأقنعة .. كم كبير من جميع أنواع الجند بكافة أعمارهم و ألوانهم و ملامحهم .. على اليمين أحد الجنود يمسك كاميرا فيديو يصورنا بها .. نظرت إلى الوسط و إذا بعدد ما يقارب ال تسعة فتيات من الصهاينة لا يتعدون التاسعة عشر من العمر .. ثم إرتد بصري لليمين مرة أخرى  لكي أستوعب أنه لا توجد صحافة .. هذا رجل بكامل لبسه العسكري يحمل بيده كاميرا فيديو .. توقعت كل قنوات الصحافة تكون هنا حولنا لتغطي هذا الحدث .. لكن هيهات المجرم لا بد من أن يخفي جريمته .. آه إستوعبت .. نحن مخبئيين .. بدء عقلي يحلل بسرعة .. هناك حتما شيئا يحاولون إخفاءه .. و أنا مندمجة في تفكيري تنبهت أن إلي يدين من اليمين و اليسار يضغطان على أعلى يدي  بقوة و يكلمونني بإنجليزية ركيكة و ثقيلة أن تحركي معنا .. طبعا كانوا مجندتان من الجيش الصهيوني  .. كل مشاعر الطفولة رجعت لي  في هذه اللحظة و أنا ألمح من بعيد اللولي بوب “حلاو مصاص” في فم صديقتي البريطانية .. و أحس بضغط يديهم على يدي .. فتجمدت في مكاني .. و صرت ألعب لعبة العناد .. عندما أحس أنهم يريدونني أن أتقدم أخطو قبل أن يبدؤا هم بخطوتهم فأسبقهم .. و إن حاولوا أن يخطوا قبلي أعند في مكاني بشدة فيستخدمون القوة معي لتحريكي و أنا متجمدة في مكاني .. ثم أخطوا فجأة .. في حينها لم أكن أعي لم أفعل هذا كان شيئا لا شعوريا جسدي يفعله  .. لاحقا إستوعبت أن حتى جسدي لا يريد لهم أن يحسوا و لو لثواني أنه إنصاع لهم .. حتى و أنا في أرضي المحتلة بين يديهم .. يرفض الإستسلام .. يرفض السلام .. إلا بعد عودة الحق لأصحابه ..

وصلت للخيمة هي مفتوحة من الأمام كم هم مستعدون لإستقابلنا مئات الجنود بل آلاف .. ألقيت نظرة من الخلف على سفينتنا “مافي مرمرة” و لمحت بعض الشباب ينتظرون دورهم للخروج من السفينة ..  دخلت من خلال باب التفتيش الإلكتروني .. صفر صوت الإنذار .. لا أعلم لما إبتسمت لكنني أحسست أن  يالا الهول إكتشفوا أنني إرهابية .. فتشوني فوجدوا معي ذاكرة الكاميرا .. طبعا هذا قمة الإرهاب في قاموسهم .. سألتني تلك المفتشة أن هل معكي شي آخر .. نظرت لها بملامح جامدة أن لا .. سألتني مرة أخرى هل أنت متأكدة .. قلت لها أعيدي تفتيشي .. إمتعضت و أشارت للفتيات المجندات أن خذوها و سلمتهم ظرف شفاف به جوازي .. في هذه اللحظة سبقتهم بالخروج من المكان .. فغضبوا مني و سحبوني بقوة للوراء لكنني جمدت موقع قدمي و ملامح وجهي .. فبدؤا يحدثونني بالعبري .. أكيد لم تكن تلك كلمات ترحيبة أو شعر غزل .. لكنني إستوعبت من طريقة حديثهم أنه ترحيب بضيف غير مرغوب به .. و هذا أعطاني إحساساً بمتعة جميلة .. أن أكون غير مرغوب فيه عند مضيف غير مرغوب فيه أصلاً..


الساعة الثانية عشر و النصف فجرا وصلت لمكان على اليسار عبارة عن غرف مغلقة من أطرافها الثلاثة بألمنيوم و الطرف الأخير بستارة بلاستيك بيضاء كان هنالك أمامي أكثر من  ٨ غرف و خلفها سطر آخر أو سطرين من الترتيب ذاته ..أمام كل غرفة طبيب جالس .. بدء بفحص الضغط  فطلب مني الكشف عن يدي .. رفضت فقال لي لا يوجد طبيبة متوفرة الآن قلت له لا مانع لدي من أجلس حتى الصباح حتى تشرفنا الطبيبة لكن لن أكشف عن يدي أمامك .. طبعا إمتعض و سبحان الله  خلال ثلاثة دقائق نزلت الدكتورة من السماء و كانت  معي في داخل الغرفة تفحص ضغط دمي .. يا الله هؤلاء الصهاينة يتعـبـدون بالكذب .. خرجت من الغرفة بعدما إنتهيت و  جلست أعطاني ورقة بالعبري بها قرابة العشرة أسألة و فهمني أنها أسألة صحية .. بدء يسألني و أجاوب .. الجميل أن إثنان من الأسئلة كانت إجابتي عليهم بالإيجاب .. سلمني الورقة كي أوقعها .. وجدت كل الأسئلة مجاب عليها بالنفي .. قلت له أن هذا غير صحيح .. فطلب من التوقيع عليها رفضت لأنني لم أفهمها .. كلمني بطريقة وحشية أن وقعي عليها .. خفت .. خصوصاً عندما تذكرت أن هذا الشخص هو ليس بطبيب عادي هو طبيب عسكري .. أي من الجيش .. فشيء طبيعي أنه يكذب .. تذكرت أن الشعب الصهيوني كله جيش نساءا و رجالاً و صغاراً و كباراً لذلك فكلهم مشتركون في إحتلال أرضنا و إغتصاب نسائنا و قتل أطفالنا .. للأسف وقعت على الورقة .. ثم تحسفت :(

ذهبت إلى الجهة اليمين أدخلوني غرفة تطابق غرفة الطبيب .. لكنها غرفة تفتيش دخلوا معي المجندات و كان هنالك غيرهم إثنتان لتفتيشي .. كان تفتيش دقيق ذكرني بتفتيش مطارات أمريكا .. أخذوا حذائي لتفتيشه في الجهاز .. إستغرقت العملية حوالي الربع ساعة .. أخرجوني بعدها وقفت بالطابور أنتظر شيئا ما مرحلة جديدة لا أعلم ما هي ..

لكنني أعلم يقينا أن عائلتي تعاني الأمرين الآن .. الأمر الأول هو القلق علي و على مصيري .. و الأمر الثاني هو الإشاعات و كلام المتفلسفون من الناس .. أتذكر في رحلة غزة الأولى في يناير ٢٠١٠ إتتهى شحن البطارية في موبايلي لما يقارب ال ٤ ساعات و إطلقت إشاعة أنني إستشهدت و إحترقت عائلتي بنار كلام الناس و إتصالاتهم و كتبوا على الفيس بوك الخاص بي .. و بعد ساعات إتصلت بهم و أنا لا أعلم ما الذي حصل .. فإذا بهم في حال لا يعلمه سوى الله ..

و أتذكر أيضا أن إحدى الفاضلات الفاضيات قالت لأمي لقد أضعت مستقبل إبنتك بما سمحت لها بفعله .. فردت عليها الوالدة حفظها الله أن إن كان مستقبل إبنتي بيدك فهي لا تريده شكرا لك .. و إن كان بيد الله فسيكرمها الله بمستقبل هي تريده .. لله درك من أم ..

 

و أتذكر أخرى كانت تحدث الوالدة عن خطورة ما أعانيه و تسألها عن الحمامات و مدى توافرها .. فكان رد الوالدة : لم أفكر بما فكرت به لأني مشغولة بالتفكير بما سارت إبنتي لأجله .. للمرضى للجرحى لليتامى للخائفين للمحرومين .. و لا تخافي فحالها أفضل بملايين المرات من حال معاناة فتيات غزة >>  سبحان الله الناس تحترق في بيوتها و غيرهم قلق عليّ كفتاة من إستخدام حمام غير نظيف في طريقي أثناء القافلة البرية لغزة

الجو حااار جدا و جسدي مرهق نوعاًَ ما و في هذا الوقت و أنا أفكر بعائلتي و أنتظر المرحلة القادمة و إذا بسندس خلفي مع إبليستان جديدتان ..  تسألني أن كيف حالك ؟ فقلت لها بخير و إبتسمت لي بقوة  فإبتسمت لها .. فصرخت بنا بتلك الصهيونية أن لا تتحدثوا مع بعض .. إبتسمت بوجهها و إلتفت لسندس و قلت لها : غير مسموح لنا الكلام .. فقط كي أغيظ الصهيونية .. فأمسكوني يقوة إبليستا الموت عن يميني و عن يساري و دفعوني للأمام .. نحو ذلك المجهول .. الذي تبينت من ملامحه فقط طاولة عليها جهاز كمبيوتر و كاميرا مثبته و صهاينة كالنمل في كل مكان .. بحثت عن ماء و مشروبات كما قالوا لنا “الصهاينة الكووول”  في السفينة لكن لم أرى غير كذبهم يحاوطني .. أبغضهم في الله .. أبغضهم في الإنسانية .. أبغضهم لسوء أخلاقهم أكثر و أكثر ..

و هنا كما أظن ستكون حلبة المصارعة .. لكنها بلا قوى متكافئة .. و بلا حكم ..

كانت الساعة حوالي الرابعة و النصف .. أي أننا أكملنا 12 ساعة بالسفينة .. و الغريب أن ميناء أسدود من البقعة التي كنا فيها لا يستغرق أكثر من 5 ساعات .. لكننا لا زلنا في عرض البحر و لا نرى أرض .. في مقصورتنا عند الباب كان الصهاينة متجمعين ما يقارب ال 7 منهم عند كل مدخل و كان هنالك 3 مداخل .. و أعداد إضافية بدأت بالإنتشار حولنا مع أسلحتهم .. أغلقوا المكيفات .. بدؤوا بتكسير كاميرات المراقبة الداخلية أمامنا .. معهم كلابهم .. و كلهم وجوهم مغطاة بقماش أسود و المرتبات العليا منهم يكون غطاء وجههم لونه جيشي .. الرجال لا زالوا مكبلين .. لا نعلم ما حال الجرحى لأنهم محتجزون في مقصورة أخرى .. و فينا قلق على الجرحآ الذين أخذوهم بالطائرات الحربية  .. لا زلنا لا نعلم أعداد الشهداء لكن ما نراه الآن هو أربعة منهم على الأرض بدمائهم و غطيناهم بعلم فلسطيني و علم تركي ..

لم أكن حزينة .. و لم أكن غاضبة .. و لم أكن خائفة .. سلمت أمري لله و قد سلّم الشهداء أرواحهم قبل ذلك .. و يكفيني أن ألقي نظرة على وجه زوجة الشهيد ليستسقي قلبي الصبر أو أن أتأمل أجساد الشهداء ليصب الإيمان على جسدا صباً .. كنت مستغربة من ذاتي .. أن أعرف حقيقة نفسي .. إحساسي يتبعثر و دموعي تتناثر عندما أرى الظلم أو الدم أو الألم .. لكنني في حينها تنفست معناً جديداً .. كيف أخشى الذل و أنا عبدالعزيز ..

راحة شديدة تلفني .. و جوع بدء يفتك بي .. تلفت حولي لأجد في مكان ما تحت رجلي ألواح من الشوكولاته .. مددت يدي و أخذتها .. و إذا برشاش صهيوني يتوجه لرؤسي و يصرخ فيني حامله أن لا تتحركي .. رفعت الشوكولاته إلى أعلى مدى و حدقت به بإستنكار قائلة له

its only chocolate .. chocolaaaaaaaaate

أعطيت الرشاش و حامله ظهري و قمت بحركة سريعة بفتح الشوكولاته و أكلها حتى لا يحس أنني خفت أو ترددت .. ظل فوق رأسي حاملا رشاشه .. و أنا أستمتع في كل نقطة من الشوكولاته و ألحس ما تبقى فيه لإغاظته .. و سعيدة في داخلي لأنه إضطر للوقوف في وضع متعب حتى أنتهي من التلذذ بالشوكولاتايه .. عندما أحسست بضعفه .. تجرأت و ووزعت ألواح الشوكولاته على من حولي ..  تضايقت لأنه لن يكفينا .. فأحست بارفين البريطانية بهذا و وقفت للصهيوني تخبره أننا نحتاج أن نأكل و أنها تعرف مكان الأكل أين و هو الثلاجة على بعد أمتار منا .. طبعا رفض الصهيوني .. و ظلت تجادله و هم يرفض .. إلى أن نظرة بقوة إليه و صرخت تريدنا أن نموت من الجوع .. هنا سكت و سمح لها بجلب الطعام .. طبعا هو ليس خائفا علينا من الموت و لكنهم كلهم فيهم ضعف شديد يخبئونه تحت أسلحتهم أومن وراء جدر ..  وببساطة  يخافون عندما تنظر إليهم بنظرة التحدي .. و عندما جلبنا نحن طعامنا .. بدؤا يصوروننا بالفيديو ثم علمنا لاحقا أنهم عرضوه في التلفاز ضمن الخدمات اللتي قدمت لنا .. ما عسانا نقول غير أنهم صهاينة ..

مع أني في حياتي حساسة جدا تجاه الأدب و الخلق و الألفاظ .. لكنني بدأت أحس بلذة الوقاحة معهم فقط .. فبدأت أطبقها لأول مرة في حياتي .. و لأنني أريد أن أنام و لا زال الجندي الصهيوني ذاته يقف فوق رأسي أنا بالذات .. فوضعت رأسي بحضن رفيقتي و مددت رجلي للأعلى كي يكون حذائي بالضبط في وجهه و أغلقت عيني و في قلبي رهبة .. كنت أحاول أن أبين لهم أن وجودكم و رشاشتكم لا تعنيني و لا تعني لي شيئاً .. قلبي ينبض بشدة .. أعلم الآن أنه سيضرب قدمي برشاشه و يصرخ في .. تعمدت أن لا أفتح عيني أبداً .. إنتظرت لدقائق معدودوة .. ثم فتحت عيني على يد تهز كتفي .. فإذا بها رفيقتي .. الغريب أنه لم يتحرك من مكانه أبدا .. و الأغرب أنني نمت لمدة ساعة و نصف متتالية في هذا الوضع .. نمت بعمق ..

طبعا إستيقظت و أنا مشحونة بطاقة جديدة .. جلست بجانب “نيكي” الأووربية و نحن جالسون أبلغتني أنه وجدت جوالها و أن الإرسال بدأ يلتقط الشبكة الصهيونية و هذا يعني أننا إقتربنا .. لكننا لا زلنا لا نرى الساحل .. بدأ الخبر ينتشر بيننا .. كانت الساعة قرابة السابعة مساءاً .. بدأ المغرب يقترب .. و بدأ الساحل يظهر .. و السفينة تسيل بشكل موازي للساحل .. ثم إنتبهت أننا نسير على نقطة في  الساحل ثم نعود من حيث أتينا و هكذا .. هنا إستوعبت أنهم مترددين و لديهم مشكلة في وصولنا للساحل .. مما أعطاني شعور بالقوة أكثر .. و أكثر و أكثر ..

عندما أسدل الليل ستاره و أصبحت المنطقة مظلمة بالتمام .. وقفنا في ميناء أسدود الذي كنا نحوم حوله منذ وقت طويل .. وقفنا فيه .. جو من الترقب في نفوسنا و جو من الضوضاء يسود المكان .. ماذا الآن !!!  الجنود الصهاينة يخرجون و يدخلون بطريقة مزعجة و معهم كاميرتهم الذي يصور بها إحدى الجنود طبعا .. و بهدوء  دخل المقصورة  شباب صهاينة يرتدون التيشيرت الكحلي السبورة “بولو شيرت” و قبعات السفاري البيج .. كلموا حنين الزعبي فطلبت هي منا أن نهدىء لأنهم يريدون أن يحدثونا ..  كان  بيدهم شنط سوداء فتحوا إحداها .. و إذا به ميكرفون المخروطي مثل الذي يستخدم في الأندية الرياضية .. عندما رأيتهم أحسست أننا سنذهب في رحلة سفاري مثيرة و ممتعة .. لإكتشاف غابة جديدة .. إسمها >> إسرائيل

بكل براءة مسك ذلك الشاب الأشقر الصهيوني الميكروفون و بدأ يحدثنا بإنجليزية ثقيلة موضحا لنا الآتي ..

مهمة الجيش الصهيوني قد إنتها و أنتم الآن بأمان .. نحن وزارة الداخلية الصهيونية .. كل ما نريده منكم هو تجاوبكم معنا لأنكم ستنزلون الآن من السفينة و هناك خيمة مجهزة لكم لشرب بعض المشروبات و لعمل فحص طبي للتأكد من سلامتكم .. جرحاكم بخير و هم يتعالجون الآن  .. ثم ننقلكم بسرعة للمطار أو للحدود لتغادروا لدولكم .. الآن لا تأخذوا معكم شيئا سوى الجوازات و أموالكم النقدية و سنجلب لكم شنطكم و حاجياتكم لاحقاً ..

المضحك أن أحد الشابات سألته : و هل سترجعون كل شيء لنا كما كان

فرد عليهتا الصهيوني : نعم نعم

فردت عليه : و سترجعون لأجساد الشهداء أرواحهم

فرد عليها الصهيوني : نعم نعم .. “ثم تنبه لما قال” .. و نظر لها نظرة غريبة .. فإبتسمت هي بقوة و قالت لن تستطيعوا..

طبعاً و للأسف البعض منا وثق فيهم نوعاً ما خصوصا الأجانب .. بدأ مشروع إخلاء السفينة حوالي الساعة التاسعة و النصف مساءاً .. عندها طلبوا من الخروج “واخد واخد” هنا تيقنت أن في الموضوع خدعة .. فلو كان الوضع كما يقولون لسمحوا لنا الخروج مع بعض حاجياتنا و لسمحوا لنا بالخروج مجموعات .. إحدى الأوربيات وجدت علبة كاملة من المصاص “لوولي بوب” .. وزعتها علينا و أخبرتنا أنها تريد عندما ننزل لفلسطين المحتلة و يرونا الصهاينة .. نكون في حالة ثقة و لا مبالاة فيهم و لا بتصرفاتهمم و أن فيها نوعا من التحدي أيضا ..

بدأ كل ما فيني يرجف إلا قلبي .. أفكر بأمي كثيراً جداً .. يألمني أن أكون أنا من يسبب لها الألم و الحزن .. لكن أماه يهون من أجل كل أمهات غزة .. أماه كما رضيتي أن تكوني ممن يقفون بجانبهم و ينصرونهم .. فالله سيقف بجانبك و ينصرك أماه .. لا تخافي أماه .. إن الله معنا .. كما لم أحسها من قبل .. الله معنا أماه .. معنا الآن أنا و أنت يا حبيبتي و يا رفيقتي و يا قرة قلبي يا أمي ..

تعمدنا أن نكون نحن الخمسة آخر خمسة فتيات يخرجن من السفينة .. أنا و سندس و برفين البريطانية  و فاطمة الأمريكية و آليكس البريطانية .. لأننا كنا لا زلنا بنشاطنا و قوتنا .. و لأننا نعرف كيف نكون أقوياء أمامهم .. و لأننا ظننا أن من يخرج قبل سيرتاح قبل .. ففضلنا التعب بما أننا كلنا شباب ..

أخرجونا واحدة واحدة .. نزلنا بهدوء من المقصورة على سلم السفينة .. لازالت برفين و سندس يضعون في فمهم تلك المصاصة في فمهم بحركة لا مبالاة قوية .. تجمعنا عند مخرج السفينة .. فرأت سندس حقيبتها .. أشرت بيدها للصهيوني الواقف أمامنا أن هذه حقيبتها فصرخ أن لا تلمسيها فردت عليه أني لا أريدها لكنكم وعدتونا بإرجاع حاجياتنا و إن لم ترجعوها .. سأحاكمك .. قوية هي تلك السندس .. عندما ترى فيها قوة المؤمن في أحلك الأوقات ضعفا .. في قوتها و جرأتها و إيمانها .. تعدت بمراحل من يظنون أنهم رجال

أنظر من بعيد للخيمة التي ستستقبلنا .. وقفت لقد جاء دوري للخروج .. الآن .. كل ما فيني يرجف إلا قلبي .. لأنه ليس فيني الآن .. إستودعته عند الله .. تأملت وجه الصهيوني بقوة و كانت عيني تنظر له بتحدي .. فلمحت شيئا غريبا رجفة تعتريه كلما صادفت عينه عيني  .. أفهم لم أنا أرجف لكن لا أفهم لماذا أنتم ترجفون .. لماذا ترجفون يا بني صهيون .. لأنكم ظالمون .. لكم الحق إرجفوا من نظراتنا من دموعنا من دعائنا حتى من إبتسامتنا .. فستظلون ترجفون حتى يأتيكم المنون ..

عدت لذلك الباب الفولاذي .. لأودعه بكل ما فيني من حرقة و لأنزل منه..  لكي تطأ رجلي و لأول مرة في حياتي “و لكنها حتما ليست الأخيرة ” فلسطين .. فلسطين المحتلة ..

داخل المقصورة .. في عرض البحر .. السفينة متوقفة .. الساعة تقارب 8 صباحا .. المكيف مغلق عمداً .. لا زالت أعداد الشهداء غير معروفة .. الحرارة إرتفعت .. دخل بعض الكلاب الصهيونية يقودون كلاب بولسية و إحتموا بأحد الجدران .. حتى هذه اللحظة لا زال الكوماندوز  يخافون مننا .. إستدعوا إحدى الشقراوات البريطانية  ”سارة” و طلبوا منها أن نخلي المكان .. واخد واخد  ”كما يقولون” أي واحد واحد .. لسنا نعلم ما الوجهة .. أخذت عملية الإخلاء ما يقارب الساعتين .. كان يخرج “واخد” مننا للتفتيش الذاتي ثم يطلع للسطح في الشمس الحارقة ..

 

الغريب أنهم طلبوا منا إخلاء غرفة الجرحى خلال 5 دقائق .. حاولنا التفاهم معهم و أخبرناهم أن بعضهم لا يستطيعون الحركة ..أخرجوا كل المساعدين و المتطوعين و بقي فقط 3 من الدكاترة و ممرضتان .. لكنهم فاجؤونا بكرمهم و أعطونا 10 دقائق .. لتحريك أكثر من 40 جريح بالرصاص الحي ..ثم دخلوا بقوتهم و عتادهم و أسلحتهم المصنوعة في أمريكا .. و بدؤوا بالتعرض للجرحى اللذي كان يرفع أغلبهم السبابة  .. في هذه اللحظة و  من أجل تأمل عميق في  وحشيتهم .. أحد الجرحى كانت إصابته رصاص بالرئة و معه نزيف حاد و طلب الدكتور أن يستلقي على جنبه الأيمن حتى لا ينزف على القلب و الرئة الغير مصابة و طلب من إثنين من الشباب الوقوف معه للتأكد من عدكم تحريكه لجسده .. طبعا دخل الصهيوني و كلابته قبله و بكل وحشية دفع بيده بجسد الجريح الغير واعي  للجانب الآخر .. و لحساسية الموقف و للإحتمال الكبير أن يفقد الجريح حياته لحظتها .. فقز الدكتور و صرخ في الجندي .. لكن الرشاشات وجهت للدكتور في ثانيتها .. طبعا وجه الدكتور إرتعب من الوضع .. ليس على نفسه .. و لكن على أخيه الجريح .. حاول الدكتور أن يستوعب غباء الجندي الصهيوني و يشرح له أنه لا يستطيع أن يترك هذا الجسد بهذه الحالة لكن الدكتور تجاربه في الحياة لم توصله ليوم ما في أن يتعامل مع غباء وحشي .. فقام الدكتور بنفسه و إستهتر فيهم و برشاشاتهم و عدل وضع الجريح .. أخلوا الجرحى من المقصورة و كبلوهم .. و ظل 17 جريح في حالة خطرة لا يستطيعون التحرك ..

 

جاء دوري في حوالي ال 9 صباحا .. خرجت للتفتيش .. ((كانت هناك “كوماندوزة” >> إمرأة من الكوماندوز)) لتفتيش النساء  .. سألتني سؤال جميل : هل معك “أسلخة” أي أسلحة .. قلت لها لا .. قالت لي متأكدة !!!!

 

الصراحة تأملت السؤال :

هل هم يثقون بنا لدرجة أنهام يسألوننا هذا السؤال الغبي .. طبعا لا لو كانوا يثثقون فينا ما وضعوا “أسلختهم” في رؤوسنا .. و إن كانوا لا يثقون بنا فلم يسألوننا ؟؟ لم أجد تعليل لسؤالها لهذه اللحظة .. لكننا إحتفظنا بعقولنا بعيدا عنهم حتى لا تتلوث .. فتشتنا ذاتيا أي بيدها .. ثم أخرجت شريط بلاستيكي و ربطته على يدي بقوة و إحكام  .. أول قيد مادي في حياتي .. قيد حقيقي ..

 

ورائي كانت الإعلامية من وكالة الأنباء الكويتية كونا “الأخت منى” وضعوا القيد في يدها و أخذت تضحك و تقول: أول مرة .. تجربة جديدة ..

 

نظرت في وجهها و إبتسمت .. بدأنا الصعود من الطابق الأول و مررنا بالطابق الثاني .. الرجال مكبلين للوراء .. و النساء للأمام .. الطابق الثاني كان الجميع محشورين في مقدمة السفينة ..  تأملت في كل الوجوه و بدأت توزيع إبتسامة أمل على كل من أراه .. و الرائع أن الجميع كان يبادلني ذات الإبتسامة بقوة .. كأن حوار القلب المؤمن للقلب المؤمن عندما يهمس فيه “لا تخف إنّ الله معنا” .. طلبوا منا الإكمال للطابق الثالث .. أي السطح .. شمس حارقة جدا .. لا غطاء على الرأس أجلسوا الجميع أرضاً .. مع أن هنالك كراسي .. حر شديد .. لم يرحموا أحد فهذ أم محمد الغزاوية التي ذبلت من فتك مرض السرطان في جسدها قلقة على ال 14 طفل في بيتها التي تركتهم من غير عائل و لا كبير .. قلقة و هي ترى حلمها الأخير بالعودة يتفكك أمامها بعد أن أغلق الفرعو صهاينة معبر رفح أمامها .. يا الله كيف سيقابلون الله و هم الذين عرفوه ثم تشاركوا مع عدوه من بني صهيون في الحصار على غزة .. .. و جيري الأسترالية الحامل بالشهر الثالث و زوجها المصاب الذي لا تعلم ما حصل له .. و البابا كابوتشي .. و العم إسماعيل الغالي  لم يرحموا شيباته و كبر سنه ..

بعد ساعة من تجمعنا جميعا .. بدأت مروحيات الجيش الصهيوني بالإقتراب من سطح السفينة فوق مقصورة القيادة .. ينزل أحد الجنود معه نقالة للمرضى .. و بدؤوا بإجلاء الحالات الحرجة .. المروحيات كانت بعيدة عننا نوعا ما .. مع ذلك عندما تكون موجودة أضطر لوضع يدي المكبلة على رأسي لأني حجابي يطير من قوة الهواء الذي تستثيره المروحية العسكرية .. و أتأمل الجرحى الذين في حالات خطيرة و الذي يستغرق صعودهم ما يقارب ال 7 دقائق للوصول إليها .. أرى النقالة تدور بقوة مع الجريح الذي تحمله … يا رب رحمتك فيهم يا رب .. أكثر من 5 مروحيات ما يقارب ال ساعتان و النصف و هي تنقل ما يقارب ال 40 جريح .. أحدهم و هو صديقي الرائع إحسان من قافلة شريان الحياة 3 كان معي و حصلت له معجزة سبحان الله .. دخلت الرصاصة من خلف رأسه ثم خرجت من فمه .. و عاش .. سبحانك يا رب ..

 

بعد 3 ساعات أحسسنا بالعطش الشديد و طلبنا منهم بعض الماء .. رفض شديد منهم .. ما يقارب ال 15 جندي على رؤوسنا برشاشاتهم و هنالك جنود في الطابق السفلي و هنالك جنود مع لجرحى و هنالك جنود في المقصورات الأربع الرئيسية و هنالك جنود في غرفة الصحافة و هنالك جنود حول كل مداخل و مخارج السفينة و هنالك جنود على السطح و هنالك جنود في المروحيات و حولنا الان أكثر من 30 سفينة و بارجة و زوارق بحرية “زوداك” و غواصتان مملوئين بالجنود .. يا ترى هل بقي صهيوني واحد في بيته أم الجميع خرج لإستقبالنا برشاشات الدم ..

 

العم إسماعيل جالس الأرض .. و جاء أحد الشباب و إتكأ على ظهره .. و بالطبع العم إسماعيل الذي كان معنا في القافلة السابقة أيضاً  لا يفتأ عن ذكر الله .. فقال لا إله إلا الله .. فرد عليه الشاب الذي إتكأعليه .. هذا إنتا يا بابا .. شده العم إسماعيل للحظات فهذا صوت إبنه مصطفى .. لقد بلغوه إنه حي .. لكنه لم يتأكد حتى هذه اللحظة .. فقال مصطفى الحمد لله الحمد لله .. ووقف في مكانه و قال سأذهب لكي أصلي شكرا لله .. فصرخ فيه الصهيوني أن إجلس .. فرد عليه العم إسماعيل بالعبري : إنكتم و لا شأن لك بي أنا ذاهب للصلاة .. و قام بكل ثقة و ذهب فتوضأ و صلى و يداه مكبلتان .. سبحانك يا رب يا من رددت عليه إبنه و حفظته من بطشهم .. هذا الموقف كان شحن للمعنويات .. بالأمل و الإيمان .. لله قلبك يا حبيبي يا عم إسماعيل ..

 

تدخلت سارة البريطانية و بارفين و أنا و سندس و عبدالله الإبراهيم و أصبحنا سلسة لوجستية لنقل المياه .. الحمدلله .. تقريبا شرب المياه الكل و كان يتخلل كل 5 دقائق العبارة الشهيرة “إسكت”  أو “سييت” يعني إجلس بالإنجليزي مع خلفية ثلاثية الأبعاد لرجل شديد السمرة مخيف الشكل يوجه الرشاش لرؤوسنا مما يجعلنا نجلس لدقائق ثم نقف لنكل مهمتنا أو نكملها و نحن جالسين .. ثم ينتبه علينا و يعود للصراخ بإنجليزيته المقززة و وجهه المغطى بقماش جيشي .. هنا بدأنا بالتجرأ عليهم .. و مناقشتهم .. و كلمى يحمي النقاش تقترب الرشاشات المصنوعة في أمريكا  أكثر و لا اعلم سر العلاقة العكسية لكن حس العناد و التحدي يكبر فينا .. ليس لأننا أقوياء لكن لأننا واثقون بأنهم جبناء ..

 

الآن بعد أكثر من 5 ساعات بالشمس.. إنتهى الماء و أحضروا لنا مياه غير صالحة للإستهلاك الإنساني و هذا يدل على قناعتهم العميقة أننا لسنا بشر .. أحسست بالرجال و الشباب لأن رؤوسهم غير مغطاة  و خفت عليهم من ضربة الشمس و بما أنهم مكبلين للوراء فلا يستطيعون تحريك أيديهم .. بدأت أفرغ في يدي الماء و أسكبه من الأعلى على رؤوسهم .. و شيء طبيعي أن أسمه لي كم كلمة سباب و شتم بالعبرية تنتهي بسيييييت .. و لكنني تغابيت و أكملت المهمة على قدر المستطاع .. في كل آن عندما كان الماء ينسكب على رؤوسهم .. كنت أسمع أعذب “جزاكي الله خيراً” أو “ثانك يو” لأنه الجميع بدأ يذوب من الحر ..

 

كان معنا أحد الشباب البريطاني من أصل فلسطيني و أسمه أسامة .. قبل ضرب السفينة بمدة قليلة كلموه قناة تلفزيونية مشهورة لعمل مقابة مباشره خلال 7 دقائق و يجب عليه خلالها حجز إرسال .. بعد 5 دقائق تمكن من حجز شيفرة إرسال ثم نظر لشعره المنكوش لم يتبقى له سوى دقيقتين للخروج على الهواء .. فركض للمطبخ و أخذ زيت الطبخ الذي طبخت به الكفته و إستخدمه كجيل للشعر .. طبعا شكل شعره كان صحي و رائع في المقابلة .. المضحك هنا أننا عندما صعدنا للسطح و مع الشمس و الحرارة .. أسامة بدأ يتلفت على الشباب و يسألهم : Who is cooking Kofta now .. و يبدأ الجميع بالبحث عن مصدر هذه الرائحة النفاثة و مع الجوع و التعب تصبح أكثر من شهية .. ثم يتذكر أسامه جريمته و يسكت و هو يحس برأسه يغلي من الدهن في هذه الشمس الحارقة .. و عزائه الوحيد أن هذا الدهن في شعره كانت غايته نبيلة  :)

بعدما جلست و إنحشرت على الأرض .. تلفت لجيري أسألها عن زوجها المصاب .. و هل أخذوه أم لا ؟؟ فقالت لي كلمة واحدة مع إبتسامة مؤمنة سلمت أمرها لله لم أرها على وجه من ولد و عاش و تكهل في  الإسلام .. لكنني  رأيتها في وجه جيري ذات الواحد والعشرين ربيعا التي أسلمت منذ عامين فقط .. هو في حفظ الله :)    فقلت في داخلي كفى بالله حفيظا .. إلتفت حينها على يميني لأجد مكان أحد الشباب الأتراك الذي كان ينام فيه و قد علق صورة أبنائه .. طبعا الصهاينة خلعوا كل الأعلام و المعدات على ظهر السفينة لكن هذه الصور ظلت هناك راسخة و لم تتزعزع .. و كلي خوف واحد أن يكون صاحب هذه العائلة قد ودع هؤلاء الورود إلى الأبد ..

 

حوالي الساعة الثالثة .. بدؤوا بإنتقاء أشخاص مننا و إنزالهم بعد ما طبخنا من الشمس و الحر و العطش و الصداع و أنزلونا كلنا للمقصورة ذاتها .. .. حين نزولنا مررت فوجدت الشيخ رائد صلاح جالسا ففرحت بسلامته و ووجدت مستر بولانت رئيس هيئة الإغاثة التركية بحال طيب فإطمئننت .. نزلنا بطريقتهم الهمجية للمقصورة عند دخولنا وجدناها كلها مكسرة .. كل الحقلئب مفتوحة .. كل الحاجات الشخصية على الأرض .. كل الكراسي مخلوعة .. المكان متعرض لتفتيش همجي دقيق .. الجنود موجودون في كل مكان .. طلبوا منا الجلوس بصمت و من غير أن نتحرك .. بعد نصف ساعة إلتحق بنا الصغير محمد الفاتح ليكسر جو الجمود و بدأنا بأخذه بأحضاننا .. لكن مع مؤثرات صوتية من السباب و الصراخ العبري كخلفيات موسيقية .. حتى يتأكدوا أننا لا ننسى أن رشاشاتهم موجودة .. و أنهم موجودون ..

 

أحسست بتعب شديد .. و إحتجت للوضوء لأداء صلاة العصر فتوجهنا أنا و سندس و بارفين للجندي كي نخرج من المقصورة ..  و دار هذا الحوار

الصهيوني التعيس : No sit in ur place ..

هياء: we need to go .. its almost 10 hours we didnt use the toilets

الصهيوني التعيس  : واخد واخد يروخ .. الترجمة : واحد واحد يروح

سندس “بقوة” : we dont trust you how can we go alone .. either you send one women soldiers with us or we go two together

الصهيوني التعيس  : يا الله .. واخد واخد يروخ .. 

هياء : لا زوج زوج .. الترجمة : إثنين إثنين >> الصراحة لا أعرف كيف قررت حينها أن أستخدم هذا المصطلح للتعبير عن شخصين

الصهيوني التعيس  : يا الله .. رووووخ روووخ .. ” و هو يؤشر بسلاحه”

و كان هذا بداية فهم كيفية الأسلوب الأمثل للتعامل مع هؤلاء الجبناء .. إستخدام الصوت القوي و النبرة الثقيلة و الثقة بالنفس تهزهم

 

توضينا و صلينا الظهر و العصر كل على حدة  صلاة مودع .. و جلست أقرأ القرآن و الأذكار ثم أقرأ وجه زوجة الشهيد الذي لا زال جثمان زوجها أمامنا .. و أطل في جيري الحامل التي لا تعلم أين زوجها لكنها لا زالت تردد أنه في حفظ الله و تبتسم  و ثم أتأمل وجه محمد الفاتح  هو نائم جنبي بكل سكينة .. ثم أخشع في وجه العم إسماعيل من بعيد الذي رد الله عليهم إبنه .. و أقول إرزقنا يا رب .. إرزقنا .. ما رزقتهم ..

 Page 1 of 3  1  2  3 »